هل تشك مثلا في إخلاصه وحسن نيته حين يقول لك في الفصل الرابع إن تركيا التي أقامت دولتها على أساس غير ديني ( secular ) هي والله العظيم مسلمة لم تخرج عن إسلامها ! وإنما هي فقط فسرت الإِسلام تفسيرا جديدا ، يفصل بين الدين والدولة وبين الدين والمجتمع وبين الدين والتقاليد وبين الدين والاقتصاد وبين الدين والتشريع .. وبين الدين وواقع الحياة !!
وحين يقول لك إن تركيا هذه هي المثل الأعلى الذي ينبغي للمسلمين في كل بلاد الأرض أن يحتذوه ، ليحصلوا على"القوة"التي حصلت عليها تركيا ، وعلى العلم .. والحضارة . والتقدم .. ورفعة الشأن ؟! ( على أن واقع تركيا الذي يعرفه الناس جميعًا يصرخ في وجهه ، ويشهد بمأساة الضعف والفقر والذلة ، والفوضى التي انتهت إليها في العصر الحديث ) .
وحين يقول لك في الفصل الخامس إن باكستان دولة فاشلة لأنها أقامت نظامها على أساس الدين ، وإنها مثل سيئ لا ينبغي للمسلمين أن يحتذوه ؟! ( مع أن هو نفسه ينسى - في مكان آخر من نفس الفصل ص 225 فيقول إن سبب الفشل في باكستان هو أن الحزب الذي تولى الحكم عند نشأتها لم يكن مؤسسًا على روح إِسلامية ، ولا معرفة حقيقية بالإِسلام ، وإنما هو الحزب الذي كان الاستعمار البريطاني قد رباه واحتضنه ودربه وقربه إليه !! )
أو حين يقول لك في نهاية الكتاب بعد لف طويل ودوران مرهق: إن على المسلمين اليوم - لكي يعيشوا في العالم الحديث - أن يتنازلوا عن الفكرة الرئيسية في عقيدتهم ، وهي أن الإِسلام لا يمكن أن يقوم إلا في مجتمع مسلم . ويستبدلوا بها أن يعيشوا مسلمين ( عقيدةً ! ) في مجتمع لا يقوم على أسس الإسلام !!! ( وهي الغاية الأولى لأعمال الاستشراق كما هي الغاية الأولى لرجال التبشير .. وهي هي الغاية التي يهدف إليها الاستعمار والمستعمرون ! ) .
هل عندك شك في إخلاصه أيها القارئ العزيز ؟!!
تلك هي الحرب الصليبية التي وجهت إلى الإسلام في عصره الحديث ..
وقد قال ولفرد كانتول سميث في كتاب"الإِسلام في التاريخ المعاصر"بعد أن استعرض تاريخ العداء الصليبي بين المسيحية والإِسلام في ص 111:
"ونحن لا نستعيد هنا هذا التاريخ الطويل من الصراع لنشعله من جديد بطبيعة الحال ، أو لنبرر المهاترات بأية صورة ، وإنما لنقول فقط إنه لا يجوز أن نتوقع النجاح السريع لمن يرجون أو يعملون على التراضي والتفاهم ( بين الكتلتين ) ".
ونحن هنا نستعير الجزء الأول من عبارته .. فما سردنا هذا التاريخ كله لنثير الأحقاد الصليبية في النفوس ، وإنما لنعرف فقط من أين أُتِي الإِسلام وبأي الوسائل .. والنتائج التي وصل إليها الغرب من هذا الصراع .
لقد كانت نتيجة تلك الحرب هي تلك الأجيال"المسلمة !"التي لا تعرف من الإِسلام إلا اسمه ، وإلا أنه مجموعة من العبادات يؤديها الإِنسان فيكون قد أدى كل ما عليه من"إسلام".
أو .. لا تعرف من الإِسلام إلا الشبهات ..
وكان نتيجتها ذلك"المسلم"الذي يقول: أنا مسلم ما دمت أصلي وأصوم .. ولكن لا عليّ أن آخذ أفكاري وتقاليدي ونظام اقتصادي ونظام مجتمعي من أية فكرة على الأرض غير مسلمة أو أي نظام غير مسلم .
وتلك"المسلمة"التي تقول: أنا مسلمة ما دامت نيتي حسنة .. ولكن لا عليّ أن ألبس كما أشاء ، وأخالط الشبان كما أشاء ، وأكوّن معهم من العلاقات ما أشاء .
وفوق هذا وذلك المسلم والمسلمة اللذان ينسلخان من دينهما علانية ، ويعلنان أنه رجعية وتأخر وجمود ....
ومع ذلك كله فلم تكن الحرب الصليبية وحدها هي التي تعمل لتفتيت العقيدة الإِسلامية وتشويهها ، والعمل على سلخ الناس منها بكل وسيلة ممكنة . وإنما كانت تعمل إلى جانبها - وإن كان عن طريقها - تيارات أخرى ، تقتلع العقيدة من جذورها ، وتجتثها من أساسها .. تيارات لا تعمل في داخل العالم الإِسلامي وحده .. وإنما هي تيارات عالمية !
حين جاءت هذه التيارات العالمية وأخذت تؤثر في الإسلام ، كان العالم الإِسلامي مغزُوًا لها من قبل ، مفتوحًا لتأثيراتها ، لا يملك المقاومة ولا الصمود .
وهذه التيارات لا تعمل ضد الإِسلام وحده ، بل تعمل ضد"العقيدة"الدينية ذاتها أيًا كانت هذه العقيدة .. ولكنها جاءت في أوربا نتيجة طبيعية ومنطقية للأحوال كلها هناك . وجاءت تدريجية .. لا مفاجئة .
أما بالنسبة للعالم الإِسلامي فهي تيارات غريبة .. غير نابعة من البيئة أو الظروف ، ولا منسجمة معها أي انسجام .. إنها مقحمة عليها إقحامًا غير منطقي وغير طبيعي .
ولو كان العالم الإِسلامي حرًا .. وقويًا كما كان .. ومتماسك القواعد والأركان .. فقد كان من المشكوك فيه كثيرًا أن تزلزل هذه التيارات شيئًا من بنيانه ، أو تغيّر تغييرًا أساسيًا في مفاهيمه .. وإن تأثرت بها نوعًا من التأثر بطبيعة الحال ..
أما وهو مكتوف بقيود الاستعمار وأغلاله .. أما وهو ضعيف واهن القوى ، من عوامل الضعف الكامنة فيه من قبل ، والسموم التي تجرعها من بعد .. فلم يكن بد من أن يتلقى هذه التيارات تلقي العاجز الموهون ، الذي لا يملك المقاومة ولا الصمود .
وهذا"التطور"كما تسميه أوربا لم يكن - على هذا النحو -"حتميًا"كما يتوهم القوم هناك . وإنما خيّل إليهم هناك أنه حتمي ، لأنه - كما قلنا - جاء نتيجة طبيعية ومنطقية لأحوالهم وظروفهم . ومع ذلك فلم يكن حتميًا حتى في أوربا ، وحتى في تلكم الظروف .. لو شاءت أوربا أن تؤمن بمثل أخرى وقيم أخرى تصد بها تلك التيارات وتوقفها عن السريان .
ولكن أوربا لم تشأ .. فكانت الحتمية هناك: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ(66) ) .
وعلى أي حال فلم يكن هذا التطور - على هذا النحو - حتميًا بالنسبة لجميع الأرض .. وبالنسبة للإِسلام على وجه الخصوص .
وليست هذه أول مرة في التاريخ يواجه الإسلام فيها الدنيا كلها بغير ما تعتقد وما تألف ، فيتخذ هو طريقه ، بمفاهيمه الخاصة وقيمه ومبادئه ، تاركا للدنيا إلفها واعتقادها ، ثم .. يؤثر في هذه الدنيا بمفاهيمه وقيمه ومبادئه ، فيصرفها عن طريقها المعوج ، ويوجهها إلى السبيل الصحيح .
جاء الإِسلام والدنيا كلها تقدس ملوكها وأباطرتها وحكامها .. وتعبدها من دون الله .. فهل كان هذا المفهوم السياسي"حتمًا"على الإسلام لأن الدنيا كلها تدين به ؟ أم جاء الإسلام ليعلّم الحكام أن يقولوا:"اسمعوا وأطيعوا ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم"أو يقولوا:"إن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني"فيجعلوا من الأمة المهتدية بهدي الله رقيبة على أعمالهم ويطالبوها بالرقابة عليهم ؟!
وجاء الإِسلام والفساد الخلقي يملأ الأرض .. فهل كان هذا المفهوم الخلقي ( الذي لعله كان متطورًا ! ) ذا قوة حتمية على المجتمع الإسلامي تفسد أخلاقه وتهبط به إلى الحيوانية التي ارتفع عنها ؟ أم ظل هذا المجتمع - رغم كل ما أصابه من فساد - أنظف مجتمع عرفه التاريخ ، حتى جاء المستعمرون والمبشرون"يجاهدون"لإفساده مدى قرنين من الزمان ؟!
وجاء الإِسلام وشريعة الغاب هي الحاكمة: القوي يأكل الضعيف .. فهل كان هذا المفهوم الإِنساني الهابط ( الذي"ارتفعت"إليه أوربا في نهضتها الحديثة ! ) ذا قوة حتمية على الإِسلام .. أم جاء الإسلام يقرر مبدأ التعاون بين القادرين وغير القادرين في المجتمع ، ويظل يطبقه أكثر من ألف عام ؟!