والإمام السجادعليه السلام يبيّن في رسالته المعروفة ب (رسالة الحقوق ) أن علينا في هذه الدنيا حقوقًا، وعلى سبيل المثال؛ فإن لنفس الإنسان وجسمه ولكل جوارحه حقوقًا لابد من أن يوفيها، وإذا ما خرج هذا الإنسان من إطار ذاته لاقته حقوق أخرى؛ كحقوق الوالدين، والأولاد، والزوجة، والجار، ثم تتعدى إلى الأصدقاء والأقرباء والمجتمع حتى تشمل الأمة كلها. وإذا ما حافظ الإنسان على هذه الحقوق والواجبات وعمل بها، فإنه سوف لا يحتاج إلى قانون خارجي يؤطر حركته ويوجهها في الحياة، ذلك لأن القانون قد وجد - مسبقًا- في ذاته وضميره؛ أي أن وازعًا داخليًاهو الذي سيحرّكه.
أما الذين قست قلوبهم، ومات الضمير والوجدان فيهم، فإن هؤلاء لا تنفع معهم جميع القوانين، مهما تعدّدت وتفرعت بنودها، مادام ذكر اللَّه جل وعلا لا يدخل إلى أعماقهم ولا يتغلغل إلى قلوبهم الميتة القاسية. ثم يمضي السياق القرآني الكريم مؤكدًا على هذه الحقيقة قائلًا: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشآءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر/ 23) .
وعلى هذا الأساس؛ فإننا بحاجة إلى هدى اللَّه، ومجتمعاتنا بحاجة - هي الأخرى- إلى أن تقتلع جذور التبعية والتخلّف والتمزق وجميع الأمراض المستعصية المعششة في مجتمعاتنا الإسلامية، مادام القرآن بين أيدينا.
فلنتلُ القرآن الكريم حق تلاوته، ولننشر مبادئه، وتعاليمه بين أفراد المجتمع، ولندعُهم إلى أن يكونوا قرآنيين. وإذا ماوصلنا إلى هذا المستوى، فحينئذ سوف تحلّ جميع مشاكلنا. ففهم القرآن، وتدبّره يعنيان أننا قد عالجنا مشكلتنا الثقافية؛أي تزودنا بزاد الثقافة الرسالية التي هي مفتاح علاج مشاكلنا، ومعضلاتنا السياسية، ومن ثم الاقتصادية، وبذلك سوف نبني أمة خلاقة، مبدعة تحب العمل المؤطر بالإخلاص، وترغب في التحرك والنشاط.
فلابد - إذن- من أن نتسلّح بسلاح الثقافة الرسالية، وندع الجمود، والخمول، وروح الاتكال جانبًا، ولابد لنا من ان نتشبع بالثقافة القرآنية، ونعيها وعيًا تامًا، ونبثها في مجتمعاتنا لكي نخطو الخطوات الأولى في معالجة مشاكلنا، وتغييرواقعنا المتردي نحو الأفضل والأحسن، وبالتالي نسير بأمتنا إلى مستقبل حضاري مشرق ومزدهر.
بناء المؤسسات ضرورة حضارية
إذا كانت هناك ميزة يتميز بها عصرنا الحديث، فإنها -ولا ريب- ميزة (المؤسسات ) . فجميع البحوث والدراسات التي تبحث في تطوير المجتمعات وتحضيرها، لابد أن تؤدي إلى هذا المحور وهو: كيف نتجاوز عصر الفردإلى عصر المؤسسة، والحالة الفردية إلى الحالة الاجتماعية؟
الحضارة هي الحضور
إن كلمة (الحضارة) و (المدنية) وما يراد منها من مصطلحات وتعابير تؤدي كلها معنى حضورالإنسان واجتماعه وتفاعله معه، بل إننا عندما نريد أن نعرّف الإنسان تعريفًا يميزه عن سائر الأحياء، فلا مناص لنا من القول بأنه كائن اجتماعي سياسي، وقد ظهر هذا التعريف مؤخرًا في مؤلفات المفكرين والعلماء.
البيان والعلم ميزة الإنسان
وعندما بيّن القرآن الكريم الصفة الأساسية للإنسان، فإنه ركز على صفة البيان والعلم، وذلك في الآية الكريمة التي كانت باكورة وحي اللَّه تعالى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأََكْرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) (العلق/5-1) .
وفي سورة الرحمان التي تتجلى فيها رحمة اللَّه عز وجل نقرأ قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْءَانَ * خَلَقَ الإِنسَانَ ) (الرحمن/3-1) ، وفي سورة القلم تطالعنا الآيات الكريمة القائلة: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ *مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ) (القلم/2-1) ، فلماذا كان القلم أداة العلم، والبيان وسيلته، ولماذا كان العلم والبيان ميزة الإنسان؟
الجواب: لأن العلم والبيان يتولان مسؤولية نقل الخبرة من إنسان إلى آخر، ومن جيل إلى جيل، في حين إن هذه القدرةمعدومة تمامًا لدى سائر الكائنات الحيّة، ولذلك فإنها متوقفة عند حد معين من الفهم والمعرفة.
فالبيان وسيلة لنقل التجربة من إنسان إلى آخر، السمة الأساسية له هي سمة الحضور، فالإنسان كائن حيّ متحضّر،اجتماعي، مبيّن ناطق، ولكن الناس مع ذلك يختلفون في مستويات تحضّرهم، فهناك بعض الحضارات متقدمة، وهناك حضارات متوسطة في التقدم، في حين أن هناك حضارات بدائية متخلّفة.
مقياس التحضّر
إن القيمة التي نقيس بها الحضارة ونحكم على ضوئها بأنها متقدمة، أو متوسطة، أو متخلفة، هي مدى (الحضور) فيها؛ فنحن قد نحضر عند بعضنا حضورًا ماديًا بحتًا كما تجتمع أعواد الثقاب إلى بعضها في العلبة،ولكن ترى هل هناك تفاعل بيننا في هذه الحالة؟ الجواب بالنفي طبعًا، ولذلك فإننا لا نستطيع أن نسمّي علبة أعوادالثقاب بحضارة الثقاب، لأن الحضور في هذه الحالة هو حضور فيزيائي صرف وليس حضورًا معنويًا.
والآن فإن من الوسائل التي يستطيع بها العلماء معرفة مدى تحضّر شعب ما هي مفردات اللغة التي يتعامل بها، فهناك بعض الشعوب البدائية لا تمتلك مفردات لغوية كثيرة، فالجمل عندها بسيطة التركيب، لأن أفرادها لا يتمتعون بخبرةكبيرة لكي يحتاجوا إلى نقلها إلى بعضهم البعض، فنقل الخبرة بحاجة إلى البيان، والبيان بحاجة إلى تطوير للفهم، ولذلك نجد أن معلوماتهم بسيطة، وحضارتهم محدودة رغم أنهم يعيشون سوية.
إن الحضارة روح، وتفاعل معنوي يؤدي إلى التعاون، ونحن إذا أردنا أن نبني الحضارة الإسلامية فعلينا أن نعود إلى الجذور، وإلى الفكرة الأساسية في الحضارة، وإلى المحتوى فيها، ونفكر في الطريقة التي نجعل بها حضورنا إلى بعضناالبعض حضورًا معنويًا فاعلًا وقادرًا على صنع الواقع المتقدم، وإيجاد الأرضية المشتركة للعمل.
إن علينا -نحن المسلمين- أن نعود إلى حضارتنا، أي أن نجعل حضورنا عند بعضنا البعض حضورًا حيويًا فاعلًا لكي نصل إلى الحقيقة، ولكننا - للأسف الشديد - ترى كل واحد منا يعيش في زنزانة نفسه، فإذا أراد أحدنا أن يدرس أويعمل، فإنه يخطط لنفسه، ويبرمج وينفذ لها فقط، فكل تفكيرنا منصب على أنفسنا كأفراد.
حياة المؤسسات لا الأشخاص
إننا عاجزون عن أن نتقدم بوصة واحدة إن لم نخرج من زنزانة أنفسنا كأفراد لندخل في رحاب التجمعات، ونعيش حياة المؤسسات لا حياة الأشخاص، وأن نحذر من أن تكون قياداتنا شخصية مستندة إلى أفراد معينين فإن ذهبت،فإن علينا أن نبنيها من جديد من ألفها إلى يائها.
وعلى سبيل المثال؛ فإن المؤسسة المرجعية التي تمتلك تاريخًا عريقًا يمتد إلى أكثر من ألف سنة، هي المؤسسة الشرعيةالوحيدة التي تستطيع أن تنوب عن الإمام الحجة عجل اللَّه فرجه في عصر الغيبة، ورغم ذلك فإني -حسب معلوماتي-لم أجد حتى الآن كتابًا ألف حول تجربة المؤسسة المرجعية خلال ألف عام من الخبرات والجهات، والعطاء العلمي والحضاري في مختلف الأمور.