إننا؛ ومن منطلق مفاهيم ديننا الإسلامي لا نقول بأن السبب في تراجع البشرية هو التطور العلمي والاستفادة من طاقات الأرض والكون، بل العكس هو الأصح تمامًا. فالنصوص الدينية الواردة فيها من التحريض على استثمارالطبيعة مالم يأت لها شبيه في دين أو عقيدة أخرى ؛ لا كمًا ولا نوعًا. إن نظرتنا الدينية تؤكد بأن العلة فيما وصلت إليه البشرية من جاهلية وعدم تناسب، هو التفكير المادي المتحكم في التعامل مع الامكانات النهضوية.
فمن الملاحظ أن سجلات وأروقة الهيئات والمنظمات الدولية والإقليمية والمحلية تزدحم بتسجيل براءات الاختراع والاكتشاف، وكل يوم تطالعنا الصحافة العالمية بعشرات؛ بل بمئات الاختراعات العلمية الحديثة الغريبة بحق. ولكن كل هذا وذاك لا يعني توفر السعادة للبشرية، بل العكس هو الصحيح تمامًا. إذ الجسم البشري أصبح كتلةً مشوهة لاتناسب فيها مطلقًا ، فالتفاوت كبير للغاية بين التطور العلمي وبين درجات كبح هذا التطور. وهناك اختلاف شاسع بين الإمكانات الطبيعية للبشرية وبين مستوى الاستقلال الذاتي لأصحاب هذه الإمكانات والموارد الحقيقيين، فالواقع الملموس يشير إلى أن الغني يتضاعف غناه والقوي تتضاعف قوته، فيما الفقير يزداد فقرًا والضعيف يتكرس ضعفه باستمرار. وأن التطور العلمي والاكتشافات الحديثة لم تساعد في حل هذه المشكلة، إن لم نقل إنها سبب رئيسي في وجودها واستفحالها. فلقد أصبح مَثل الجسم البشري مَثل الشاحنة المتطور تقنيًا ولكن تعوزها الكوابح، فالعالم اليوم تعوزه القيادة الحكيمة والحازمة لضبط هذه الحركة هائلة السرعة لتتحكم بها وتوصلها الى شاطئ الأمن والسلام.
إن البشرية اليوم تتسابق مع الزمن لمجرد السباق ، إذ هي تفتقر كل الافتقار الى وجود غاية تسير باتجاهها وإليها؛ بمعنى أن حركة البشرية أضحت كحركة كرة الثلج الهابطة من قمة الجبل ، فهي كلما هوت الى الأسفل كلما تضاعفت سرعتهاوكبر حجمها ، ولكنها لا تعي مصيرها ، فالوعي هنا سالب بانتفاء الحياة والروح لديها.
فقد تقدم الإنسان في العصر الراهن تقدمًا هائلًا في عالم الماديات، ولكنه تضاءل وتراجع في عالم الروحانيات. ومما لايخفى أن الروح هي الضابط الأوحد للمادة، وهذه الروح إن لم تؤدي وظيفتها على الشكل الصحيح فإن المادة تكون ذات مردود سلبي على الإنسان. والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول بهذا الخصوص: (إن العقل عِقال من الجهل ) (43) ؛ أي إن الإنسان لا يعدو كونه كتلة من الجهل ما لم يستعن بسلاح العقل الذي يمنعه من الاندفاع نحو الخطأ، ويقول صلى الله عليه وآله وسلم أيضًا: (والنفس مثل أخبث الدواب، فإن لم تُعقل حارت ) (44) ؛ بمعنى أن النفس البشرية حيوان هائج،والعقل والروح والحكمة هو ما يدبّر أمورها.
بينما اليوم نجد الأسلحة الفتاكة التي تصرف لها الأموال الطائلة وتهدر لها الطاقات العلمية الجبارة يطول عنها الحديث ويطول حتى ليحس المتحدث والمستمع والكاتب والقارئ بالاشمئزاز منها . فالعلم الحديث استطاع أن يسخر الجراثيم لقتل وإبادة الناس ، وهذا السلاح بطبيعة الحال ليس سلاحًا دفاعيًا أو رادعًا كما يحلو للبعض أن يقدّم تبريراته الكاذبةفي إطار صناعة ونشر واستخدام الاسلحة الذرية، حيث ضحكت الدول المالكة لهذا السلاح على بعضها البعض وعلى بقية الدول طيلة ما كان يسمى الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي ، حيث كانوا ولا يزالون يعتصرون جذوة الجهود البشرية والإمكانات الطبيعية المتاحة في سبيل إحكام سيطرتهم على مقدرات هذا العالم. هذه هي الحياةالتي نعيشها في الحقبة الراهنة مع بالغ الأسف والحسرة!.
والسؤال الهام جدًا هنا، هو: كيف نقاوم هذا التوجه ؟ وكيف نستطيع أن نوجّه العالم ونقوده الى الأمن والسلام؟
والجواب يكمن في مسألة واحدة ، وهي العودة إلى الروح وتنمية المعنويات لدى الإنسان. فالمعادلة الطبيعية واليسيرةلدى الإنسان تقول بلزوم الحفاظ على الحالة المعنوية العالية لتتم السيطرة على الجسم والمادة فيه. ولا ريب أن الشريعةالإسلامية مليئة بالوصفات الروحية التي تؤدي دورها في هذا الإطار، من قبيل الصوم والصلاة المستحبين ودفع الصدقات ومساعدة المساكين والفقراء.. وبالأخص في أشهر رجب وشعبان ورمضان؛ الأشهر التي جعلها اللَّه بمثابةالفرصة المثالية والهدية للناس.
وهناك أمر على غاية في الأهمية، ألا وهو ضرورة الانتباه إلى الطريقة التي نؤدي بها عباداتنا ؛ بمعنى أننا لابد وأن نسعى إلى ممارسة العبادات على الوجه الصحيح والكامل.
إن الدين الإسلامي يرشدنا - في هذا المجال - إلى طريقة ذكية جدًا ، تتمثل في أن ننظر في تأدية العمل والعبادة إلى من هو فوقنا في ممارسته للعبادة، ليكون بذلك تحريضًا على عزمنا ورغبتنا في الأعمال الصالحة التي من جملتها العبادة ، وأن ننظر إلى من هو دوننا من حيث الإمكانات المادية لتتأصل فينا القناعة والرضا بما قسم الرب جل وعلا.
ثم إن الإسلام يقول كما جاء عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (من لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم ) (45) ويقول أيضًا كما جاء عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: (ما آمن باللَّه واليوم الآخر من بات شبعانًاوجاره جايع ) (46) ، بمعنى أن الشريعة الإلهية تحرضنا وتوجب علينا متابعة ما يجري من حولنا من تطورات، ومن ثم نمارس اهتمامنا ونقدم يد المساعدة للمحتاجين. وفي هذا الزمن بالذات، حيث المسلمون أحوج الناس من الجانب المادي والمعنوي، فان ثقل المسؤولية يتضاعف ويتضاعف حتى نؤدي ما علينا من توفير الروح المعنوية في الناس ونضمن انتفاء انحرافهم، بالإضافة إلى ما نقدم لهم من يد مساعدة مادية منتظمة وهادفة لاستئصال الجوع والفقر من بينهم.
إن في الآيات الشريفة السالفة الذكر تصور لنا حالة من حالات ما بعد دخول المؤمنين الجنة، ودخول الكافرين والمنافقين النار؛ حيث تتحول أعمال المؤمنين إلى نور يسعى بين أيديهم، يتنعمون في جنات تجري من تحتها الأنهارخالدين فيها، مبشرين من الملائكة برضوان اللَّه الذي هو أكبر وأشرف من الجنان وما فيها. أما الكفار والمنافقون فتتحول أعمالهم الدنيوية إلى عقد نفسية وظلمات، حتى ليستغيثوا بالمؤمنين ليتزودوا من نورهم، ولكن هيهات أن يكون لهم ذلك، فالملائكة تواجههم بأشد التقريع، فيقال لهم تعجيزًا: ارجعوا إلى ورائكم - دنياكم - لعلكم تلتمسون نورًا . وحين يعترف المنافقون والكفار بالعجز عن ذلك يضرب بينهم وبين المؤمنين حجاب؛ جهة منه فيه الرحمة لأهل الجنة، وأخرى فيها العذاب لأهل النار.
إن اللَّه سبحانه وتعالى يستعرض في هذه الآيات جملة من الأعمال التي أدت بالمنافقين الى النار، وهي: فتنة النفس،والريبة بالحقائق، والغرور بالأماني، والتعويل على المادة، وعدم الإيمان والتصديق بالغيب، وقسوة القلب، والفسق في الممارسات والمعتقدات، والتسويف بالتوبة مع معرفة الحق.
وعلى هذا الأساس؛ فإن المنافقين سيعيشون - فوق ما يعيشونه ويعانونه من عذاب النار - حالة من العزلة والاحتقارحتى لتكون النار مولىً لهم؛ أي ملجأً يلجؤون منها إليها؛ بمعنى أنهم يدورون في حلقة متكاملة من العذاب الإلهي الدائم والشديد. وقد أصابهم هذا كله بداعي رفضهم للروح واكتفائهم بالمادة؛ المادة التي ما أن يستغنى بها عن الروح حتى تضيّع الإنسان وتكتب على مصيره العقاب ..
حضارة الروح تتحدى طغاة المال والقوة