قال تعالى:" {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} (12) سورة يس"
والخاصية الثالثة من خصائص التصور الإسلامي هي .. الشمول .. وهي كذلك ناشئة من طبيعة الخاصية الأولى: خاصية أنه رباني، من صنع الله لا من صنع الإنسان.. والشمول طابع الصنعة الإلهية الأصيل!
فالإنسان لأنه أولًا محدود الكينونة من ناحية الزمان والمكان .. إذ هو حادث زمن، يبدأ بعد عدم، وينتهي بعد حدوث. ومتحيز في مكان، سواء كان فردًا أو كان جيلًا أو كان جنسًا، لا يوجد إلا في مكان، ولا ينطلق وراء المكان - كما أنه لا يوجد إلا في زمان ولا ينطلق وراء الزمان - ولأنه محدود الكينونة من ناحية العلم والتجربة والإدراك .. يبدأ علمه بعد حدوثه، ويصل من العلم إلى ما يتناسب مع حدود كينونته في الزمان والمكان، وحدود وظيفته كذلك -كما أسلفنا- ولأنه فوق أنه محدود الكينونة - بهذه الاعتبارات كلها- محكوم بضعفه وميله وشهوته ورغبته - فوق ما هو محكوم بقصوره وجهله…
الإنسان وهذه ظروفه، حينما يفكر في إنشاء تصور اعتقادي من ذات نفسه، أو في إنشاء منهج للحياة الواقعية من ذات نفسه كذلك، يجئ تفكيره محكومًا بهذه السمة التي تحكم كينونته كلها .. يجئ تفكيره جزئيًا .. يصلح لزمان ولا يصلح لآخر. ويصلح لمكان ولا يصلح لآخر. ويصلح لحال ولا يصلح لآخر، ويصلح لمستوى ولا يصلح لآخر .. فوق أنه لا يتناول الأمر الواحد من جميع زواياه وأطرافه، وجميع ملابساته وأطواره، وجميع مقوماته وأسبابه .. لأنه هذه كلها ممتدة في الزمان والمكان، وممتدة في الأسباب والعلل، وراء كينونة الإنسان ذاته، ومجال إدراكه .. وذلك كله فوق ما يعتور هذا التفكير من عوامل الضعف والهوى وهما سمتان إنسانيتان أصيلتان!
وكذلك لا يمكن أن تجئ فكرة بشرية، ولا أن تجئ منهج من صنع البشرية يتمثل فيه"الشمول"أبدًا .. إنما هو تفكير جزئي. وتفكير وقتي. ومن جزئيته يقع النقص، ومن وقتيته يقع الاضطراب الذي يختم التغيير، ويتمثل في الأفكار التي استقل البشر بصنعها، وفي المناهج التي استقل البشر بوضعها دوام"التناقض"أو دوام"الجدل"المتمثل في التاريخ الأوربي!
فأما حين يتولى الله -سبحانه- ذلك كله .. فإن التصور الاعتقادي، وكذلك المنهج الحيوي المنبثق فيه، يجيئان بريئين من كل ما يعتور الصنعة البشرية من القصور والنقص والضعف والتفاوت .. وهكذا كان"الشمول"خاصية من خواص"التصور الإسلامي".
وتتمثل خاصية الشمول التي يتسم بها هذا التصور في صور شتى:
إحدى هذه الصور وأكبرها: رد هذا الوجود كله .. بنشأته ابتداء، وحركته بعد نشأته، وكل انبثاقة فيه، وكل تحور وكل تغير وكل تطور. والهيمنة عليه وتدبيره وتصريفه وتنسيقه .. إلى إرادة الذات الإلهية السرمدية الأزلية الأبدية المطلقة .. هذه الذات. المريدة، القادرة، المطلقة المشيئة، المبدعة لهذا الكون، ولكل شيء فيه ولكل حي، ولكل حركة، وكل انبثاقة، وكل تحور، وكل تغير، وكل تطور. بقدر خاص .. وكل انبثاق وليد ..
وهذه هي حقيقة"التوحيد"الكبيرة، التي هي المقوّم الأول للتصور الإسلامي .. وتقرير هذه الحقيقة يشغل مساحة واسعة من القرآن الكريم. لا نملك أن نستعرضها هنا. فسيجئ بعضها عند ذكر خاصية"الإيجابية"في هذا القسم. كما سيجئ بعضها الآخر عند ذكر خاصية التوحيد في نهاية هذا القسم من البحث. ثم يجئ التفصيل الكامل بوصفها المقوّم الأول من مقوّمات التصور الإسلامي، في القسم الثاني من هذا البحث الخاص بالمقومات. فنكتفي هنا بتقدير قيمة هذه الخاصية:
إن هذا التصور - عن طريق خاصية الشمول في صورتها هذه - يملك أن يعطينا تفسيرًا مفهومًا. لوجود هذا الكون ابتداء. ثم لكل حركة فيه بعد ذلك وكل انبثاقة … ويعطينا -على الأخص- تفسيرًا مفهومًا لانبثاق ظاهرة"الحياة"في المادة الصماء. وهي بدون شك شيء آخر غير المادة الصماء. شئ هائل. وشئ عجيب. وشئ مقصود. وبين خصائصه المادة الصماء من الأبعاد، ما يلي مباشرة ما بين العدم والوجود من الأبعاد.
إن هذا الكون يواجه الكينونة الإنسانية ابتداء بوجوده! ويتطلب منها إدراكًا وتفسيرًا لهذا الوجود. ثم يواجهها بتناسقه وتوازنه وموافقاته العجيبة - التي يستحيل أن تأتي بها المصادفة- فللمصادفة كذلك قانون يستحيل معه أن تتجمع هذه الموافقات كلها مصادفة ( ) . ويتطلب منها إدراكًا وتفسيرًا لهذا التناسق والتوازن والموافقات العجيبة!…
والحياة - كذلك تواجه الكينونة الإنسانية بعلامات استفهام كثيرة، لا تقل -إن لم تزد عمقًا- عن علامات الاستفهام التي يثيرها الكون بوجوده وبتناسقه:
هذه الحياة كيف انبثقت في المادة الميتة؟ وكيف سارت -وتسير- سيرتها هذه العجيبة المحوطة بآلاف الموافقات والموازنات والتقديرات المرسومة المحسوبة بهذا الحساب الدقيق؟
إن التصور الإسلامي هو -وحده- الذي يملك أن يقدم لنا التفسير المفهوم لكل هذه الموافقات في"تصميم الكون". هو الذي يملك أن يقدم لنا تفسيرًا نواجه به كل علامة استفهام عن وجود هذا الكون ابتداء، وعن كل انبثاقة تقع فيه. كما أنه هو الذي يملك أن يفسر لنا سر انبثاق الحياة في المادة الميتة، وسر سيرتها هذه السيرة العجيبة. دون أن نضطر إلى الهروب من سؤال واحد، أو إلى المماحكة والمماحلة والإحلالة إلى جهات غير محددة المفهوم - كالإحالة إلى الطبيعة!
إن المسافة بين الوجود والعدم مسافة لا يكاد يعبرها العقل البشري. فكيف وجد هذا العالم؟ كيف وجدت هذه"الطبيعة"إن كانوا يعنون بها الوجود المادي؟ كيف يعبر العقل البشري هذه المسافة الهائلة إلا بالإحالة على الإرادة المبدعة، التي تقول للشيء: كن فيكون؟ إنه إذا لم يعترف بهذه الإرادة المبدعة عجز تمامًا عن التعليل والتفسير. أو تخبط تخبط الفلاسفة في شتى العصور!
والمسافة بين المادة الجامدة والخلية الحية تلي المسافة التي بين الوجود والعدم. إنها كذلك مسافة هائلة لا يعبرها العقل البشري إلا بالإحالة على تلك الإرادة المبدعة، التي تنشئ ما تريد إنشاء، وتبدعه إبداعًا. إرادة الله"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى".
والعقل البشري، والكينونة البشرية كلها تجد في هذا الجواب ما يريح. لأنه مفر من أن تجئ الحياة إلى المادة الميتة من مصدر آخر غير المادة الميتة الفاقدة للحياة. ففاقد الشيء لا يعطيه. ولا يمكن القول بأن الحياة خاصية من خواص المادة الكامنة فيها .. وإلا فكيف ظلت كامنة فيها ما لا يحصى من السنين، لتظهر في وقت معلوم، دون مدبر وراءها ودون قصد مرسوم؟!
وحسبنا هذه العجالة عن الكون والحياة في هذا الموضع، فسيجئ الكلام المفصل عنها في موضعه في القسم الثاني. ولنعد إلى خاصية الشمول التي نتحدث عنها، والتي تتجلى في رد كل شيء في هذا الكون إلى الله. وشمول إرادته وتدبيره وهيمنته وسلطانه لكل شيء.. فنورد بعض النصوص القرآنية التي ترسم هذه الخاصية:
"إنا كل شيء خلقناه بقدر" (القمر: 49)
"خلق كل شيء فقدره تقديرًا" (الفرقان: 2)
وحسبنا أن نقول: إن التصور الإسلامي - عن طريق هذه الخاصية في صورتها هذه- يمنح القلب والعقل راحة وطمأنينة، واتصالًا بحقيقة المؤثرات الفاعلة في هذا الوجود - كما هي في عالم الحقيقة والواقع - ويعفى الفكر البشري من الضرب في التيه بلا دليل، ومن الإحالة على أسباب غير مضبوطة - وأحيانًا غير موجودة- كالإحالة على"الطبيعة"! أو الإحالة على"العقل"! أو الإحالة على كائنات أسطورية كالتي تصورتها الوثنيات، وتلبست بها الفلسفات، على مدار التاريخ.
وذلك كله فضلًا على العنصر الأخلاقي الذي ينشئه هذا التصور ويثبته، في القلب البشري وفي الحياة البشرية. وهو يرد خيوط الكون والحياة كلها إلى يد الله، ورقابته، وهيمنته، وسلطانه (مما سنفصل الحديث عنه في خاصية الإيجابية) .
وصورة أخرى من صور خاصية الشمول في التصور الإسلامي .. فهو كما يتحدث عن حقيقة الألوهية وخصائصها وآثارها وصفاتها، باعتبارها الحقيقة الأولى، والحقيقة الكبرى، والحقيقة الأساسية في هذا التصور.. كذلك يتحدث عن حقيقة العبودية وخصائصها وصفاتها. يتحدث عن هذه الحقيقة ممثلة في الكون، والحياة، والإنسان. فيتحدث عن حقيقة الكون، وعن حقيقة الحياة، وعن حقيقة الإنسان، ويتناول - في هذا الحديث- طبيعتها ونشأتها وصفاتها وأحوالها، وعلاقاتها فيما بينها، ثم علاقتها بالحقيقة الإلهية الكبرى.
ويربط بين مجموع تلك الحقائق، من جميع جوانبها، في تصور واحد منطقي فطري، يتعامل مع بديهة الإنسان وفكره ووجدانه، ومع مجموع الكينونة البشرية في يسر وسهولة.
وهكذا تتكون من مجموعة الحقائق التي يتناولها هذا التصور في شمول وسعة ودقة وتفصيل، وصورة كاملة شاملة، وتفسير جامع مفصل، لا يحتاج إلى إضافة من مصدر آخر. بل لا يقبل إضافة من مصدر آخر. لأنه أوسع وأشمل، وأدق وأعمق، وأكثر تناسقًا وتكاملًا من كل مصدر آخر..
ولقد وقع الفساد في التصور الإسلامي، ووقع التعقيد والتخليط، حينما شاء جماعة ممن عرفوا في التاريخ باسم"فلاسفة الإسلام"أن يستعيروا بعض التصورات الفلسفية الإغريقية، وبعض المصطلحات - وبخاصة من أرسطو وأفلوطين وبعض اللاهوتيين المسيحيين - ويدخلوها في جسم"التصور الإسلامي"!
إن هذا التصور من الشمول والسعة، ومن الدقة والعمق، ومن الأصالة والتناسق بحيث يرفض كل عنصر غريب عليه، ولو كان هذا العنصر"إصطلاحًا"تعبيريًا من الاصطلاحات التي تقتضيها أزياء التفكير الأجنبية. فكل اصطلاح له تاريخ معين، وله إيحاءات معينة مستمدة من ذلك التاريخ، ولا يمكن تجريده من هذه الملابسات، والزج به في مجال جديد، منقطع عن تاريخه.. وللتصور الإسلامي اصطلاحاته الخاصة المتفقة في طبيعة اشتقاقها اللغوي، وفي ملابساتها التاريخية والموضوعية، مع طبيعته وإيحاءاته .. وهذه ظاهرة دقيقة، تحتاج إلى حس لطيف، يدرك مقتضيات هذا التصور في الشعور، ومقتضياته كذلك في التعبير.
إن هذا التصور يقوم ابتداء على تعريف الناس بربهم تعريفًا دقيقًا كاملًا شاملًا يعرّفهم بذاته سبحانه، ويعرفهم بصفاته، ويعرفهم بخصائص الألوهية المتفردة، التي تَفْرِقها تمامًا من خصائص العبودية. كما يعرفهم بأثر هذه الألوهية في الكون، وفي الناس، وفي جميع العوالم والأمم الحية. ويتم هذا التعريف على نطاق واسع جدًا في القرآن الكريم، يصبح معه الوجود الإلهي في النفس البشرية، وجودًا أكيدًا واضحًا، موحيًا، مؤثرًا، يأخذ النفس من أقطارها جميعًا، وتعيش معه النفس مشدودة إليه، لا تملك التفلت منه، ولا نسيانه، ولا إغفاله، لأنه من القوة والوضوح والفاعلية، بحيث يواجه النفس دائمًا، ويتراءى لها دائمًا، ويؤثر فيها دائمًا:
"الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين". (الفاتحة: 2-4)
"الله لا إله إلا هو الحي القيوم. لا تأخذه سنة ولا نوم. له ما في السموات وما في الأرض. من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. وسع كرسيه السماوات والأرض. ولا يؤوده حفظهما. وهو العلي العظيم". (البقرة: 255)
وصورة ثالثة من صور الشمول في التصور الإسلامي. فهو إذ يرد أمر الكون كله. وأمر الحياة والأحياء، وأمر الإنسان والأشياء.. إلى إرادة واحدة شاملة.. وإذا يتناول الحقائق الكلية كلها: حقيقة الألوهية - الحقيقة الأولى والكبرى والأساسية- وحقيقة الكون، وحقيقة الحياة، وحقيقة الإنسان، بمثل ذلك الشمول الذي أشرنا إليه
هذا التصور إذا يتناول الأمور على هذا النحو الشامل -بكل معاني الشمول- يخاطب الكينونة الإنسانية بكل جوانبها، وبكل أشواقها، وبكل حاجاتها، وكل اتجاهاتها. ويردها إلى جهة واحدة تتعامل معها. جهة واحدة تطلب عندها كل شيء، وتتوجه إليها بكل شيء. جهة واحدة ترجوها وتخشاها، وتتقي غضبها وتبغي رضاها. جهة واحدة تملك لها كل شيء، لأنها خالقة كل شيء، ومالكة كل شيء، ومدبرة كل شيء..
كذلك يرد الكينونة الإنسانية إلى مصدر واحد، تتلقى منه تصوراتها ومفاهيمها، وقيمها وموازينها، وشرائعها وقوانينها. وتجد إجابة على كل سؤال يجيش فيها، وهي تواجه الكون والحياة والإنسان، بكل ما يثيره كل منها من علامات الاستفهام..
عندئذ تتجمع هذه الكينونة .. تتجمع شعورًا وسلوكًا، وتصورًا واستجابة. في شأن العقيدة والمنهج. وشأن الاستمداد والتلقي. وشأن الحياة والموت. وشأن السعي والحركة. وشأن الصحة والرزق. وشأن الدنيا والآخرة. فلا تتفرق مزقًا، ولا تتجه إلى شتى السبل والآفاق، ولا تسلك شتى الطرق على غير اتفاق!
والكينونة الإنسانية حين تتجمع على هذا النحو، تصبح في خير حالاتها، لأنها تكون حينئذ في حالة"الوحدة"التي هي طابع الحقيقة في كل مجالاتها.. فالوحدة هي حقيقة الخالق -سبحانه- والوحدة هي حقيقة هذا الكون -على تنوع المظاهر والأشكال والأحوال- والوحدة هي حقيقة الحياة والأحياء- على تنوع الأجناس والأنواع -والوحدة هي حقيقة الإنسان على تنوع الأفراد والاستعدادات- والوحدة هي غاية الوجود الإنساني -وهي العبادة- على تنوع مجالات العبادة وهيئاتها- وهكذا حيثما بحث الإنسان عن الحقيقة في هذا الوجود ..
وحين تكون الكينونة الإنسانية في الوضع الذي يطابق"الحقيقة"في كل مجالاتها، تكون في أوج قوتها الذاتية، وفي أوج تناسقها -كذلك- مع"حقيقة"هذا الكون الذي تعيش فيه، وتتعامل معه، ومع"حقيقة"كل شيء في هذا الوجود، مما تؤثر فيه وتتأثر به .. وهذا التناسق هو الذي يتيح لها أن تنشئ أعظم الآثار، وأن تؤدي أعظم الأدوار.
وحينما بلغت هذه الحقيقة أوجها في المجموعة المختارة من المسلمين الأوائل، صنع الله بها في الأرض أدوارًا، عميقة الآثار في كيان الوجود الإنساني، وفي كتاب التاريخ الإنساني..
وحين توجد هذه الحقيقة مرة أخرى - وهي لابد كائنة بإذن الله- سيصنع الله بها الكثير. مهما يكن في طريقها من العراقيل. ذلك أن وجود هذه الحقيقة في ذاته ينشئ قوة لا تقاوم: لأنها من صميم قوة هذا الكون، وفي اتجاه قوة المبدع لهذا الكون أيضًا..
ومن مظاهر ذلك التجمع في الكينونة الإنسانية، أن يصبح النشاط الإنساني كله حركة واحدة، متجهة إلى تحقيق غاية الوجود الإنساني .. العبادة .. العبادة التي تتمثل فيها عبودية الإنسان لله وحده في كل ما ينهض به من شؤون الخلافة..
وهذا التجمع النفسي والحركي هو ميزة الإسلام الكبرى. بما أنه يتناول بالتفسير كل الحقائق التي تواجه النفس البشرية في الكون كله، ويتناول بالتوجيه كل جوانب النشاط الإنساني. ففي الإسلام - وحده- يملك الإنسان أن يعيش لدنياه وهو يعيش لآخرته، وأن يعمل لله وهو يعمل لمعاشه، وأن يحقق كماله الإنساني الذي يطلبه الدين، في مزاولة نشاطه اليومي في خلافة الأرض، وفي تدبير أمر الرزق. ولا يتطلب منه هذا إلا أمرًا واحدًا: أن يخلص العبودية لله في الشعائر التعبدية وفي خالجة، وكل عمل وكل نية، وكل نشاط وكل اتجاه. مع التأكد من أنه لا يتجاوز دائرة الحلال الواسعة، التي تشمل كل طيبات الحياة.. فالله خلق الإنسان بكل طاقاته لتنشط كلها، وتعمل كلها، وتؤدي دورها.. ومن خلال عمل هذه الطاقات مجتمعة، يحقق الإنسان غاية وجوده، في راحة ويسر، وفي طمأنينة وسلام، وفي حرية كاملة منشئوها العبودية لله وحده.
وبهذه الخاصية صلح الإسلام أن يكون منهج حياة شاملًا متكاملًا. منهجًا يشمل الاعتقاد في الضمير، والتنظيم في الحياة - لا بدون تعارض بينهما- بل في ترابط وتداخل يعز فصله، لأنه حزمة واحدة في طبيعة هذا الدين، ولأن فصله هو تمزيق وإفساد لهذا الدين.
إن تقسيم النشاط الإنساني إلى"عبادات"و"معاملات"مسألة جاءت متأخرة عند التأليف في مادة"الفقه". ومع انه كان المقصود به -في أول الأمر- مجرد التقسيم"الفني"، الذي هو طابع التأليف العلمي، إلا أنه -مع الأسف- أنشأ فيما بعد آثار سيئة في التصور، تبعته - بعد فترة - آثار سيئة في الحياة الإسلامية كلها. إذ جعل يترسب في تصورات الناس أن صفة"العبادة"إنما هي خاصة بالنوع الأول من النشاط الذي يتناوله"فقه العبادات". بينما أخذت هذه الصفة تبهت بالقياس إلى النوع الثاني من النشاط، الذي يتناوله"فقه المعاملات"! وهو انحراف بالتصور الإسلامي لاشك فيه. فلا جرم يتبعه انحراف في الحياة كلها في المجتمع الإسلامي.
ليس في التصور الإسلامي نشاط إنساني لا ينطبق عليه معنى العبادة. أو يطلب فيه تحقيق هذا الوصف. والمنهج الإسلامي كله غايته تحقيق معنى العبادة، أولًا وأخيرًا.
وليس هناك من هدف في المنهج الإسلامي لنظام الحكم، ونظام الاقتصاد والتشريعات الجنائية، والتشريعات المدنية وتشريعات الأسرة.. وسائر التشريعات التي يتضمنها هذا المنهج…
ليس هناك من هدف إلا تحقيق معنى"العبادة"في حياة الإنسان .. والنشاط الإنساني لا يكون متصفًا بهذا الوصف، محققًا لهذه الغاية - التي يحدد القرآن أنها هي غاية الوجود الإنساني - إلا حين يتم هذا النشاط وفق المنهج الرباني، فيتم بذلك إفراد الله -سبحانه- بالألوهية، والاعتراف له وحده بالعبودية.. وإلا فهو خروج عن العبادة. لأنه خروج عن العبودية. أي خروج عن غاية الوجود الإنساني كما أرادها الله. أي خروج عن دين الله!
وأنواع النشاط التي أطلق عليها"الفقهاء"اسم"العبادات"وخصوصًا بهذه الصفة - على غير مفهوم التصور الإسلامي - حين تراجع مواضعها في القرآن تتبين حقيقة بارزة لا يمكن إغفالها. وهي أنها لم تجئ مفردة ولا معزولة عن أنواع النشاط الأخرى التي أطلق عليها الفقهاء اسم"المعاملات".. إنما جاءت هذه وتلك مرتبطة في السياق القرآني ومرتبطة في المنهج التوجيهي. باعتبار هذه كتلك شطرًا من منهج"العبادة"التي هي غاية الوجود الإنساني. وتحقيقًا لمعنى العبودية، ومعنى إفراد الله - سبحانه- بالألوهية.
إن ذلك التقسيم -مع مرور الزمن- جعل بعض الناس يفهمون أنهم يملكون أن يكونوا"مسلمين"إذا هم أدوا نشاط"العبادات"-وفق أحكام الإسلام- بينما هم يزالون كل نشاط"المعاملات"وفق منهج آخر. لا يتلقونه من الله. ولكن من إله آخر! هو الذي يشرع لهم في شؤون الحياة، ما لم يأذن به الله!
وهذا وهم كبير. فالإسلام وحدة لا تنفصم. وكل من يفصمه إلى شطرين - على هذا النحو- فإنما يخرج من هذه الوحدة. أو بتعبير آخر يخرج من هذا الدين..
وهذه هي الحقيقة الكبيرة، التي يجب أن يلقي باله إليها كل مسلم يريد أن يحقق إسلامه، ويريد في الوقت ذاته، أن يحقق غاية وجوده الإنساني.
إن هذه الحقيقة ليست أهميتها فقط في تصحيح التصور الإيماني - وإن كل هذا التصحيح في ذاته غاية ضخمة، يقوم عليها بناء الحياة كله - بل إن أهميتها تتجلى كذلك في حسن تذوق الحياة، وبلوغ هذا التذوق أعلى درجات الكمال والتناسق. فقيمة الحياة الإنسانية ذاتها ترتفع حين تصبح كلها عبادة لله، وحين يصبح كل نشاط فيها -صغر أم كبر- جزءًا من هذه العبادة، أو كل العبادة، متى نظرنا إلى المعنى الكبير الكامل فيه، وهو إفراد الله - سبحانه- بالألوهية، والإقرار له وحده بالعبودية.. هذا المقام الذي لا يرتفع الإنسان إلى ما هو أعلى منه، ولا يبلغ كماله الإنساني إلا في تحقيقه. وهو المقام الذي تلقى الوحي من الله. وحالة الإسراء والمعراج أيضًا:"تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا". (سورة الفرقان:1)
وبعد فإن هذا الشمول -بكل صوره- فوق أنه مريح للفطرة البشرية، لأنه يواجهها بمثل طبيعتها الموحدة، ولا يكلفها عنتًا، ولا يفرقها مزقًا.. هو في الوقت ذاته يعصمها من الاتجاه لغير الله في أي شأن وفي أية لحظة، أو قبول أية سيطرة تستعلي عليها بغير سلطان الله، وفي حدود منهج الله وشريعته. في أي جانب من جوانب الحياة. فليس الأمر والهيمنة والسلطان لله وحده في أمر"العبادات"الفردية، ولا في أمر الآخرة -وحدهما - بل الأمر والهيمنة والسلطان لله وحده، في الدنيا والآخرة. في السماوات والأرض. في عالم الغيب وعالم الشهادة. في العمل والصلاة.. وفي كل نَفَس، وكل حركة، وكل خالجة، وكل خطوة، وكل اتجاه: