فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 1942

يبحث المفكر الإسلامي التونسي احميدة النيفر في القسم الأول من الكتاب عما إذا كانت النهضة"حلمًا تاريخيًا"وحسب، ويجد في مسيرة النهضة ما يؤكد أنها لم تكن أكثر من ذلك بكثير؛ فالنخب الفكرية لم تُرْسِها باعتبارها مشروعًا تاريخيًا مكتملًا. يفسر النيفر ذلك بأن النهضة التي بدأت بباعث ديني (هو الإسلام) وعلى أيدي رجالات الفكر الإسلامي، ما لبثت أن تنكرت لهذا الأساس على أيدي النخبة الثقافية اللاحقة فأقيمت قطيعة مع الخطاب الديني ـ وهو بطبيعته جزء من الحراك الاجتماعي للمجتمعات العربية والإسلامية ـ فقد استبعدت القيادات الفقهية واستُبدلت بمناهجها .. أخرى مبتوتة الصلة بالدين وغريبة عن الثقافة العربية والإسلامية، كما استُبدل بخطابه خطاب آخر غريب من نفس السحنة والجنس. هذا في الواقع ما صنعه المثقفون العلمانيون المؤمنون بالحداثة الغربية على نحو يجعلها وكأنها مسار تاريخي حتمي لكل الحضارات الإنسانية، لقد ساهم حلمهم بالتحديث الغربي واستلابهم لنموذجه في إرباك مسار النهضة، فتبني العلمانية وتهميش دلالة الدين قسرًا باعتبارها ـ من منظوره ـ فاقدة القدرة على إنشاء الحضارة بخطابها القرآني! وتمددت القطيعة لتتجاوز الدين وتصل حتى إلى التراث الإسلامي بأكمله، اعتقادًا منهم بأن ذلك سيحرر الفكر العربي من التخلف وسيقوده نحو التقدم، كما حصل في البلدان الأوربية دون وعي منهم بأن الثقافة الأوربية كانت تنطلق من طبيعة صلة النهضة الغربية مع ماضيها، وزاد في هذه الصعوبة الوعي المتأخر بالنهضة، وهو ما يسميه النيفر بـ"الوعي المفوت"، مما أدى إلى المراوحة التي تعوق الجهد المبذول للبناء الفكري النقدي، ويظهر ذلك جليًا ـ بنظره ـ في تداخل وعدم وضوح مفاهيم النهضة والتباسها.

بناء الأيديولوجية !

وينظر النيفر إلى انقسام النخب الثقافية بين ذهنية الولاء المطلق للغرب وذهنية الرفض التام له على أنها ساهمت في تمزيق الثقافة العربية بالإضافة إلى الأحداث السياسية المتتالية على الفكر النهضوي العربي فيما بعد الحرب العالمية الثانية، وما تبعها من ظهور للأحزاب والتيارات الفكرية المتعددة الاتجاهات حيث كانت ردة الفعل، أو الاستجابات القهرية عليها في معظم بلدان العالم الإسلامي، ومن ثم فإن اتجاه المثقفين إلى اعتماد"مرجعيات مستعارة"في منهجهم من خلال المقارنة مع الغرب الأوربي، فعملت النهضة على ترسيخ قيمة الآخر (الأوربي) والاتجاه الإصلاحي الذي أعطى الأولوية للمجال السياسي، وبالتالي لم تستطع النهضة ـ كما يستنتج النيفر ـ أن تبني تصورًا واضحًا عن نفسها ولا حتى عن ذات الآخر في اللحظة نفسها! وبنت بدلًا من ذلك منظومة فكرية أيديولوجية (اعتقادية) عن النهضة على حساب بناء مشروع للنهضة ! وهكذا ما استطاعت هذه النخب الثقافية المستعلية التواصل مع ثقافة مجتمعاتها الإسلامية بسبب انحباسها في مقولات وأفكار ونظريات تجاوزها الزمن ، ولا هي استطاعت بناء المشروع فبقيت سجينة أحلامها الأيديولوجية التي لا رصيد لها إلا إكراهات الظروف العابرة وهما ما أدى للفشل في بناء مشروع للنهضة والإطاحة به.

النهضة المفارقة

يجد النيفر بناء على ذلك أنه لكي نبدأ بصياغة مشروع للنهضة من جديد علينا أن نلحظ أن أسئلة النهضة الأوربية مفارقة لنا بقدر اتصالها بواقع الغرب التاريخي، ومتزامنة مع تطورات الواقع والفكر لديه في حين أنها تحولت لدينا إلى قطيعة مع الواقع والتاريخ العربي والإسلامي، ولأجل ذلك ظلت الأسئلة التي يطرحها فكر النهضة تدور حول نفسها وتكرر ذاتها في كل مرة يتم الحديث فيها عن النهضة دون أي تقدم يستحق الذكر!

ولا يفرق النيفر تفريقه بين الأطوار التي مرت بها النهضة على نحو واضح ودقيق، كما يأخذ عليه المفكر المغربي محمد الوقيدي، لأن النيفر فيما يبدو لا يجد أنه من الممكن إقامة هذا القضية على نحو حدي ودقيق زمنيًا، ومن الأجدى التعامل مع أفكارها وتحولاتها ومقاربتها زمنيًا قدر الإمكان. كما أن النيفر لا يفرق في النهضة بين عربية وإسلامية لأن النيفر أيضًا فيما يبدو يعتبر أن ما ينطبق على العالم الإسلامي ينطبق على العالم العربي والعكس صحيح مهما وجدت الإستئناءات (ماليزيا مثلًا) .

وينتقد الوقيدي أطروحة النيفر لتفسير إخفاق النهضة في مفارقة خطابها للواقع العربي الإسلامي، بأن هذا لا يفسر القضية كاملة، إذ إنها تنتهي إلى حصر القضية في علاقة الفكر بالواقع، وهو ما يجعلنا نغفل عن البحث في الواقع ذاته للبحث عن الأسباب الموضوعية التي أعاقته عن التطور في اتجاه النهوض , والتجاوز إلى آفاق جديدة.

مهما يكن فقد وقف النيفر على التفسير المعقول لإخفاق مسعى النهوض في العالم الإسلامي، الذي كانت النخبة الثقافية العلمانية سببًا رئيسيًا فيه.

في القسم الأول من المقال قدمنا وجهة نظر إسلامية جوابًا لسؤال"لماذا أخفقت النهضة؟"، حيث انتهت إلى أن السبب الرئيسي يكمن في تحول مسارها من أرضيتها الدينية إلى الأرضية العلمانية، ومن أصلها الفكري والعملي الجماعي إلى الأيديولوجيا السياسية الحزبية الضيّقة. وفي هذا القسم نتابع طرح الجواب ولكن من موقع آخر.

ـــــــ

يطرح المفكر المغربي محمد الوقيدي ضرورة التركيز على الإشكالات التي كانت تكبح باستمرار كل محاولات النهوض، حيث يردها إلى عوامل ذاتية بالدرجة الأولى في العالم العربي والإسلامي تكثفت في خطاب النهضة مما أدى إلى القصور في بنائها.

ويجد الوقيدي بعد مقارنة معقدة بين النهضة العربية والنهضة الأوربية أنه فيما كانت الأوربية تعبر عن واقع موجود وقائم بالفعل كانت جارتها العربية تعبر عن"واقع مأمول"لم يتحقق بعد.

يقسم الوقيدي تاريخ البحث في"النهضة"إلى مرحلتين متمايزتين (وهي بنظره قسمة لا غنى عنها لاختلاف التطورات التي مر بها العالم الإسلامي) الأولى تبدأ من مطلع القرن التاسع عشر، والثانية تبدأ من الحرب العالمية الأولى حتى نهاية القرن العشرين. ففي القرن التاسع عشر كان هناك وعي بالتأخر وتساؤل عن أسبابه وشروط الخروج منه، وكان مفكرو البلاد الإسلامية في هذه المرحلة يبحثون في الشروط الذاتية التي تسمح للمجتمعات الإسلامية أن تتجاوز التأخر، كما كانوا يتصورون أن هذا التجاوز هو"استئناف"لدور حضاري سابق، ولذلك وعلى الرغم من اختلاف صيغ التعبير والتدليل اتفق هؤلاء المفكرون على ضرورة العودة إلى العقيدة في أصالتها ونقائها الأول، وكان في هذه المرحلة حديث عن الآخر المتمثل بالغرب الأوربي المتزايد قوة وصعودًا ، ولكنه كان حديثًا عن آخر يمكن بشروط ذاتية تجاوزه أو ردم الهوة التي تفصلنا عن زمنه، ويعتبر محمد عبده ممثلًا نموذجيًا لهذه المرحلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت