وانصرفت أم هانئ رضي الله عنها إلى الاهتمام بأمور أبنائها وتربيتهم تربية صالحة، فنشئوا عالمين عاملين،
وروي بعضهم عنها ما حدثت به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث أمثال ابن ابنها جعدة المخزوم، وابن ابنها يحيى بن جعفر، وابن ابنها هارون، وعاشت حتى خلافة أخيها على رضي الله عنه.
وكان ذلك بعض عذر أم سلمة حين خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت تقول له: (إني مُصْبِية ) ) ــ أي ذات صبيةـ فأرسل إليها: (( أما ما ذكرت من أيتامك فعلى الله وعلى رسوله ) )
فقالت عند ذلك: (( مرحبًا برسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).
وتلك أم سليم رضي الله عنها، إحدى السابقات إلى الإسلام، أسلمت ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وبايعته حين مقدمه إلى المدينة، وكان إسلامها مراغمة لزوجها مالك بن النضر، وكان ولدها أنس بن مالك يومئذ طفلًا رضيعًا، فكانت تقول له: (( قل لا إله إلا الله، قل أشهد أن محمدًا رسول الله ) )فجعل ينطق بذلك أول ما ينطق، فكان مما يثير الغضب في نفس مالك، فيقول لها: (( لا تفسدي علي ولدي ) )، ثم أيأسه أمرها فخرج عنها إلى الشام، وهناك كان مقتله، فلما بلغها قتله ـ وكانت شابة حديثة، وكثر خطابها ـ قالت: (( لا جرم، لا أفطم أنسًا حتى يدع الثدي، ولا أتزوج حتى يجلس في المجالس ويأمرني ) )فوفت بعهدها وبرَّت، وكان أنس رضي الله عنه يعرف لها تلك المنة، ويقول: (جزى الله أمي عني خيرًا، لقد أحسنت ولايتي) .
حتى إذا شب أنس تقدم لخطبتها أبو طلحة زيد ـ وكان مشركًا ـ فأبت، ثم قالت له يومًا فيما تقول: (أرأيت حجرًا تعبده لا يضرك ولا ينفعك، أو خشبة تأتي بها النجار فينجرها لك هل يضرك؟ .. هل ينفعك؟) وأكثرت من أشباه ذلك الكلام، فوقع في قلبه الذي قالت، فأتاها فقال: (لقد وقع في قلبي الذي قلت) وآمن بين يديها، قالت: (فإني أتزوجك، ولا أريد منك صداقًا غير الإسلام) .
وقالت امرأة من نساء اليمامة تدعى (أم أثال) ـ وكانت كأحسن النساء وجهًاـ فلما مات زوجها، تدافع الخطاب على بابها، فردت كل خاطب، وفاءً لابنها أثال وأنشدت:
اعمر أثال لا أفدي بعيشه ... وإن كان في بعض المعاش جفاء
وإذا استجمعت أم الفتى عض طرفه ... وشاعره دون الدثار بلاء
كان ذلك أختاه بعض حديث المرأة المسلمة في الوفاء لخير ما خلقت له، ووكلت به.
الأمومة والتضحية:
تنتقل الأم بعد ذلك إلى طور آخر تبلغ به غاية ما أعدت له من كمال النفس، وشرف العاطفة .. ذلك طور التضحية، فهناك تنزل المرأة عن حقها من الوجد لمن فصل عن لحمها ودمها .. تسهر لينام، وتظمأ ليروى، وتحتمل الألم الممض ــ راضية مغتبطة ـ لتذيقه طعم الدعة، وتُنْشِيِهُ نسيم النعيم.
تلك هي التضحية بالنفس بلغت بها الأمومة غايتها والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
إن من آيات التضحية في المرأة ما يقف دونه الرجل عاني الوجه، نادي الجبين، ومن أمثال ما أنا سائقه إليك، وقاصه عليك:
في أحد أيام الصيف كانت إحدى بواخر النيل تحمل العابرين غادية رائحة بين كفر الزيات ودسوق، وفي ذات مرة أحرج الرُّبان صدرها بمن احتملهم، فقذفها بضعفي ما تحتمل، سارت الباحرة متعثرة مترنحة، تتحامل على نفسها، وتضطرب في خطاها فما كادت تنكشف إلى عرض النيل قليلًا حتى آذاها حملها، فانْبتَّ عِقْدهُا، وانحلت عقدتها، ومالت على نفسها، وتدفق الماء من منافذها، هنالك خرج الناس عن عقولهم، وتملكهم الفزع الأكبر، وظنوا أنهم أحيط بهم، فأخذوا يتدافعون على صدر النيل علهم يلقون يدًا تدفعهم أو ترفعهم، بين هذا الحفل المتماوج المتدافع المتواقع تقطعت الأنساب، فلا أب ولا أم ولا زوج ولا ولد، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، وفي ذلك الموطن الذي دارت عليه كؤوس الموت متْرعة، ظهرت امرأة لا تتلمس الشاطئ كما يتلمسون، ولا تلوح بيدها كما يلوحون، بل كان شغلها والموج يرفعها