الصفحة 2 من 43

إن إسلامك يدعوك إلى الله والدار الآخرة، وأعداؤك، وهم كثر، يريدونك أن تميلي ميلًا عظيمًا .. فهم يوجهون سهامهم الخفية إلى ذاتك وكيانك وفهمك وتصورك واعتقادك .. إلى مظهرك ومخبرك .. إلى فكرك وقلبك .. فهل ثمَّ خيار؟! ..

أختاه .. إن إسلامك يأخذ بيدك كي تنطلقي من جواذب الأرض ورغائب النفس إلى حيث الحرية التامة والأفق السامي الوضيء، وأعداؤك يقبرونك في حفر ظاهرها متاع زائل حائل رخيص وباطنها العذاب والجحيم ..

أختاه .. إن إسلامك يدعوك إلى العلو عن كل ظل لهذه الدنيا وأوشابها العفنة إلى حيث مقاعد صدق عند مليك مقتدر، وأعداؤك يريدونك في مستنقع مراحيض الدنيا كي تكوني من الهالكين؟ .. فهل ثمَّ خيار؟!

أختاه .. إن إسلامك يدعوك إلى التحرر من قيود المغريات، والفكاك من أسر هواتف الأرض، وأعداؤك يكبلونك بالأغلال ويسلكونك في سلاسل ذرعها سبعون ذراعًا، فأنت إذن ترسفين في قيود من حديد أحقابًا وأحقابًا .. هل ثمَّ خيار بين الصعود و النزول؟ ... بين السمو و الدنو؟ بين النعيم والجحيم؟ هل ثم خيار بين عدن وسجين بين الفردوس وسقر؟ قطعًا ليس ثم خيار.

والأمر لن يتوقف أختاه على مجرد الاختيار؛ فالاختيار له تبعاته ومتطلباته، وهذه التبعات هي التي ستحدد دورك المناط بك بعد حسم الاختيار ..

هذا الدور وطبيعته هو موضوع هذه الورقات ..

إلا أنه قبل أن نشرع في تحديد ذلكم الدور وطبيعته نقدم له بمقدمتين ينتج عنهما القواعد الأساسية لدور المرابطات، ومن ثم يسهل علينا بعون الله تعالى تحديد ذلك الدور ..

المقدمة الأولى:

إن الإسلام عندما أنار الأرض وما عليها من عقول وقلوب رفع من نظرة المجتمع إلى المرأة، وقرر وأكد جانبًا طالما كان غائبًا مجهولًا في علاقات الجنسين، فقرر أنها ليست مجرد إشباع لغريزة الجسد وإطفاء لفورة الدم، إنما هي اتصال بين طاقتين إنسانيتين من نفس واحدة بينهما مودة ورحمة، وفي اتصالهما سكن وراحة، ولهذا الاتصال هدف مرتبط بإرادة الله في خلق الإنسان وعمارة الأرض وخلافة هذا الإنسان فيها بسنة الله في خلق منهجه وشرعه، ومن ثم عني الإسلام بالمرأة واتخذها قاعدة لبناء المجتمع الإسلامي، وعدّها الحصن الذي تنشأ فيه الأجيال وتدرج، فلا غرو أن وفر الإسلام الضمانات اللازمة لحماية ذلك الحصن وصيانته وتطهيره من كل ما يلوثه أو يدنسه، وحدد له دوره ومسئوليته تحديدًا دقيقًا كاملًا.

المقدمة الثانية:

إن الأخت المسلمة المرابطة إذا ما حسمت بحزم قضية ذلك الاختيار ــ والذي أشرنا إليه آنفا ــ وقطعت كل أرجحة أو لجلجة بين قيم الدنيا وقيم الآخرة .. بين الهبوط إلى حفر الأرض والصعود فوق سحب السماء.

إن الأخت المسلمة بعد أن حددت في قلبها بوضوح ذلك التصور الإسلامي الصحيح وخلّصت قلبها من كل وشيجة تحول بينه وبين التجرد لله والإخلاص له وحده دون سواه ..

بعد أن أحيت نفسها وارتفعت وصفت ورقت، وجب عليها حينئذ أن تعلم أن تبعة ثقيلة قد ألقيت على كاهلها .. فمنذ أن حسمت خيارها لصالح الإسلام وقيمه ومثله، أصبحت ـــ شاءت أم أبت ــ مثلًا يحتذى وقدوة لغيرها، فأي حركة أو سكنه تصدر منها يراها الناس على أنها حركة الإسلام وسكنته؛ لأن الناس للأسف تقيس الإسلام على الأشخاص مع أن الأصل أن الأشخاص هم الذين يجب أن يقاسوا على الإسلام. لذا وجب عليها أن تحذر أن تكون داعية ضلالة دون أن تدري فتحمل من الأوزار ما لا تطيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت