وذلك بأن يترك التعرض لما يوجب سوء الظن بها، وقد دل على ذلك أحاديث: منها:
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يأتي الرجل أهله طروقًا ) )
وعنه رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلًا ) )
وعن أنس رضي الله عنه: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يطرق أهله ليلًا، وكان يأتيهم غدوة أو عشية ) ).
وعن جابر رضي الله عنه قال: (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلًا يتخونهم، أو يطلب عثراتهم ) ).
وعنه أيضًا بلفظ: (( لا تلجوا على المغيبات، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) ).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (( قوله في طريق عاصم عن الشعبي عن جابر: (( إذا أطال أحدكم الغيبة، فلا يطرق أهله ليلًا ) )، التقييد فيه بطول الغيبة، يشير إلى أن علة النهي إنما توجه حينئذ، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فلما كان الذي يخرج لحاجته مثلًا نهارًا، ويرجع ليلًا، لا يتأتى له ما يحذر من الذي يطيل الغيبة، كأن طول الغيبة مظنة الأمن من الهجوم، فيقع للذي يهجم بعد طول الغيبة غالبًا ما يكره: إما أن يجد أهله على غير أهبة من التنظيف و التزين المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سبب النفرة بينهما، وقد أشار إلى ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم لجابر حين قدم معه من سفر: (( إذا دخلت ليلًا فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة ) )، ويؤخذ منه كراهة مباشرة المرأة في الحالة التي تكون فيها غير متنظفة، لئلا يطلع منها على ما يكون سببًا لنفرته منها، وإما أن يجدها على حالة غير مرضية، والشرع محرض على الستر، وقد أشار إلى ذلك بقوله: (( أن يتخونهم، ويتطلب عثراتهم ) ).
فعلى هذا من علم أهله بوصوله، وأنه يقدم في وقت كذا مثلًا، لا يتناوله هذا النهي، وقد صرح بذلك ابن خزيمة في صحيحه، ثم ساق حديث ابن عمر قال: (( قدم النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة، فقال:(لا تطرقوا النساء) .وأرسل من يؤذن الناس أنهم قادمون، قال ابن أبي جمرة رحمه الله: (( فيه النهي عن طروق المسافر أهله على غرة من غير تقديم إعلان منه لهم بقدومه، والسبب في ذلك ما وقعت إليه الإشارة في الحديث، قال: وقد خالف بعضهم فرأى عند أهله رجلًا، فعوقب بذلك على مخالفته ) )أ. هـ
وأشار بذلك إلى حديث أخرجه ابن خزيمة عن ابن عمر قال: (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تطرق النساء ليلًا، فطرق رجلان، كلاهما وجد مع امرأته ما يكره ) )، وأخرجه من حديث ابن عباس نحوه، وقال فيه: (( فكلاهما وجد مع امرأته رجلًا ) )ووقع في حديث محارب عن جابر: أن عبد الله بن رواحة أتى امرأته ليلًا، وعندها امرأة تمشطها، فظنها رجلًا، فأشار إليها بالسيف، فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يطرق الرجل أهله ليلًا )) أخرجه أبوعوانة في صحيحه.
وفي الحديث الحث على التواد والتحاب خصوصًا بين الزوجين، لأن الشارع راعى ذلك بين الزوجين مع إطلاع كل منهما على ما جرت العادة بستره، حتى إن كل واحد منهما لا يخفي عنه من عيوب الآخر شيء في الغالب، ومع ذلك نهى عن الطروق لئلا يطلع على ما تنفر نفسه عنه، فيكون مراعاة ذلك في غير الزوجين بطريق الأولى )) فتح الباري (9/ 340ـ 341)