الصفحة 28 من 43

إن من حب لرجل لزوجته أن يغار عليها، ويحفظها من كل ما يلم بها من أذى في نظرة أو كلمة، والزوجة أعظم ما يكتنزه المرء، فلا يليق به أن يجعلها مضغة في الأفواه تلوكها الألسنة، وتتقحمها الأعين، وتجرحها الأفكار والخواطر.

كلا، إن الغيرة أخص صفات الرجل الشهم الكريم، وإن تمكنها منه يدل على رسوخه في مقام الرجولة الحقة الشريفة، ومن هنا كان كرام الرجال وأفذاذ الشجعان يمتدحون بالغيرة على نسائهم، والمحافظة عليهن، وإن من شر صفات السوء ضعف الغيرة وموت النخوة، ولا يركن إلى ذلك إلا الأرذلون.

وليست الغيرة تعني سوء الظن بالمرأة، والتفتيش عنها وراء كل جريمة دون ريبة، ومتى ما تحين الرجل الفرص ليأخذ امرأته على غرة، التماسًا لعثرة منها دون أي ريبة، كانت هذه غيرة مذمومة؛ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن من الغيرة غيرة يبغضها الله، وهي غيرة الرجل على أله من غير ريبة ) ).

إن الرجل هو صاحب القوامة، والمسؤول الأول في الأسرة، والمحافظ على أفرادها، وهو أبعد أهله نظرًًا وتبصرًا في العواقب، فمن حقها عليه أن يغار عليها، وقد نظم الإسلام هذا الأمر فيما نجمله بما يلي:

أولًا: أن لا تأذن لأحد بدخول بيته من رجل قريب أو امرأة قريبة أو أجنبية إلا بإذنه، فهو أدرى بمصلحة الأسرة لأنه القيّم عليها، فقد يكون في دخول أبيها أو أخيها أو أمها مفسدة عليه في أسرته.

أما الأجنبي فلا تأذن له بدخوله عليها، ولو أذن لذلك الزوج، لأنه إثم، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ثانيًا: أن لا يدخل عليها من لا يخاف الله تعالى، فقد يخون بنظرة أو كلمة، ويشعل في البيت شرارة فتنة، قال صلى الله عليه وسلم: (( إياكم والدخول على النساء ) )،قالوا: (( يا رسول الله أرأيت الحمو؟ ) )،قال: (( الحمو الموت ) ).

وقال صلى الله عليه وسلم: (( ثلاث لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، والعق، والديوث، الذي يقر الخبث في أهلة ولا يبالي من دخل على أهله ) ).

وقال صلى الله عليه وسلم: (( لاتصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي ) ).

ثالثًا: أن لا تخرج من بيته إلى الأسواق ومجتمعات الرجال، فتخالطهم في الأسواق ووسائل المواصلات والمحلات التجارية. عن علي رضي الله عنه قال: (( بلغني أن نساءكم يزاحمن العلوج في الأسواق، ألا تستحيون؟ .. ألا تغارون؟ .. يترك أحدكم امرأته تخرج بين الرجال! ) ).

رابعًا: أن لا يعرضها للعنت فيطيل غيابه عنها، ولا يدفعها إلى الفسوق بمطالعة القصص الفاجرة والمجلات الخليعة، ولا يصطحبها إلى دور الملاهي والخيالة، ولا يسمعها أغاني الفحش والخنا، ولايودع بيته جهز (التلفاز) أو ما يسمى (الفيديو) فإنهما من أعظم أسباب الفساد وتحطيم الأخلاق في هذا العصر، والناس عنهما في غفلة، بل هم فيهما على رغبة، ولا حول وقوة إلا بالله.

وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (عن رجل له زوجة أسكنها بين ناس مناجيس، وهو يخرج بها إلى الفرج، وإلى أماكن الفساد، ويعاشر المفسدين، فإذا قيل له:(( انتقل من هذا المسكن السوء ) )،فيقول: (أنا زوجها، ولي الحكم في أمرأتي، ولي السكن، فهل له ذلك؟ ) ) .

فأجاب الحمد لله رب العالمين، ليس له أن يسكنها حيث شاء، ولا يخرجها إلى حيث شاء؛ بل يسكن بها في مسكن يصلح لمثلها، ولا يخرج بها عند أهل الفجور، بل ليس له أن يعاشر الفجار على فجورهم، ومتى فعل ذلك وجب أن يعاقب عقوبتين: عقوبة على فجوره، بحسب ما فعل، وعقوبة على ترك صيانة زوجته وإخراجها إلى أماكن الفجور، فيعاقب على ذلك عقوبة تردعه وأمثاله عن ذلك، والله أعلم )) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت