الصفحة 36 من 43

أتدري مما سر هذه العظمة وما مهبط وحيها؟ إنها المرأة وحدها! فقد نشأ عبد الرحمن يتيمًا قتل عمُّه أباه، فتفردت أمه بتربيته وإيداع سر الكمال وروح السمو في ذات نفسه، فكان من أمره ما علمت.

وهذا سفيان الثوري، وما أدراك ما سفيان الثوري؟!

إنه فقيه العرب ومحدثهم، وأحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة، إنه أمير المؤمنين في الحديث الذي قال فيه زائدة: (( الثوري سيد المسلمين ) )،وقال الأوزاعي: (( لم يبق من تجتمع عليه الأمة بالرضا إلا سفيان ) )، وما كان ذلك الإمام الجليل، والعلم الشامخ، إلا ثمرة أم صالحة، حفظ التاريخ لنا مآثرها وفضائلها ومكانتها، وإن كان ضن علينا باسمها. روى الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله بسنده عن وكيع قال: قالت أم سفيان لسفيان: (يا بني! اطلب العلم، وأنا أكفيك بمغزلي ) ) فكانت رحمها الله تعمل وتقدم له ليتفرغ للعلم، وكانت تتخوله بالموعظة والنصيحة، قالت له ذات مرة ــ فيما يرويه الإمام أحمد أيضاَ ــ: (( يا بني إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإذا لم تر ذلك فاعلم أنها تضرك، ولا تنفعك ) ).

هذا الأوزاعي رحمه الله .. ذلك الحبر البحر، كان أيضًا ثمرة أم عظيمة:

قال الذهبي رحمه الله: قال الوليد بن مزيد البيروتي: (( ولد الأوزاعي ببعلبك، وربي يتيمًا فقيرًا في حجر أمه، تعجز الملوك أن تؤدب أولادها أدبه في نفسه، ما سمعت منه كلمة فاضلة إلا احتاج مستمعها إلى إثباتها عنه، ولا رأيته ضاحكًا يقهقه، ولقد كان إذا أخذ في ذكر المعاد أقول: ترى في المجلس قلب لم يبك ) ).

وهذه أم (( ربيعة الرأي ) )شيخ الإمام مالك، قد أنفقت على تعليم ولدها ثلاثين ألف دينار خلفها زوجها عندها، وخرج إلى الغزو، ولم يعد لها إلا بعد أن استكمل ولده الرجولة والمشيخة، وكانت أمه قد اشترتهما له بمال الرجل، فحمد الرجل صنيعها، وأربح تجارتها.

ثم إذا نشرنا صفحة العهد العباسي، بل صفحة العهد الإسلامي لا نجد في تضاعيفها أمرًا دنت له قطوف العلم والحكمة، ودانت له نواصي البلاغة والفصاحة كمحمد بن إدريس الشافعي، فهو الشهاب الثاقب الذي انتظم حواشي الأرض فملأ أقطارها علمًا وفقهًا ذلك أيضًا ثمرة الأم العظيمة:

فقد مات أبوه وهو جنين أو رضيع، فتولته أمه بعنايتها، وأشرفت عليه بحكمتها، وكانت امرأة من فضليات عقائل الأزد، وهي التي تنقلت به من (( غزة ) )مهبطه إلى (( مكة ) )مستقر أخواله، فربته بينهم هناك.

وكان جعفر بن يحيى وزير الرشيد أرفق الناس برياضة القول، وأعرفهم بفنون الكلام، وكان إذا عقب رسالة، أو وقع تحت كتاب فإليه مباءة البلاغة، ونهاية الإيجاز، حتى لقد يتدافع الكتاب على بابه فيشترون من حاجبه كل توقيع بدينار ,كل ذلك ورثة جعفر عن أمه لا عن أبيه.

ولا شك أن تربية الأم لأولادها وإقامتها على النشئ واستخلافها ورعايتها لصنائع الله وأشباله إنما هي أمانة وأي أمانة على بناة ملك الإسلام وحماة حق الله ورعاية خلقه في الكون، فرغم أن الإسلام لم يحمد من المرأة كراهيتها للزواج بعد زوجها ولم يعتد ذلك وفاءًا منها إلا أن الإسلام شكر ذلك لها إن احتسبت ذلك وفاءًا لأبنائها ورعيًا لهم وضنًا بهم أن يضيعوا عند غير أبيهم .. فهذه أم هانئ فاختة بنت أبي طالب رضي الله عنها أخت أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وبنت عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وراوية حديث الإسراء، فرق الإسلام بينها وبين زوجها هبيرة وكانت قد انكشفت منه عن أربعة بنين فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت أم هانئ: (( يا رسول الله، لانت أحب إلي من سمعي ومن بصري، وحق الزوج عظيم، فأخشى إن أقبلت على زوجي ـــ تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ أن أضيع بعض شأني وولدي، وأن أقبلت على ولدي أن أضيع حق زوجي ) )، وهنا امتدحها النبي صلى الله عليه وسلم، وشكر لها ذلك فقال: (( إن خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل ــ أي زوج ــ في ذات يده ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت