الصفحة 35 من 43

وإذ قد علمت أختاه عظم شأنك في الإسلام، فلا شك أن ذلك لعظم دورك المناط بك؛ ذلك الدور الذي وعاه الجيل الأول من النساء فأخرجن ــ بتوفيق الله ــ ذلك الجيل الذي قاد نهضة الإسلام الأولى، فكانت الأم من الأمة بمثابة القلب من الجسد ..

ولله درُّ القائل:

خلفت جيلًا من الأبطال سيرته ... تضوع بين الورى روحًا وريحانا

كانت فتوحهمُ برًا ومرحمة ... كانت سياستهم عدلًا وإحسانا

لم يعرفوا الدين أورادًا ومسبحة ... بل أشبعوا الدين محرابًا وميدانا

ولك أختاه أن تتصوري أنه لا يكاد المرء يقف على عظيم ممن رادوا شمس الدهر وذلت لهم نواصي الحادثات إلا وكان لأمه نصيب من ذلك:

فهذا على بن أبي طالب رضي الله عنه، تنقل في تربيته بين صدرين من أملأ صدور العالمين حكمة وأحفلها بجلال الخلال، فكان مغداه على أمه فاطمة بنت أسد، ومراحة على خديجة بنت خويلد زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا عبد الله بن جعفر رضي الله عنه سيد أجواد العرب وأنبل فتيانهم، تركه أبوه صغيرًا، فتعاهدته أمه أسماء بنت عميس رضي الله عنها، ولها من الفضل والنبل ما لها.

وهذا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، أريب العرب وألمعيُّها، ورث عن هند بنت عتبة ما لم يرث عن أبي سفيان، وهي القائلة ــ وقد قيل لها ومعاوية وليد بين يديها: (( إن عاش معاوية ساد قومه ) ): قالت: (( ثكلته إن لم يسد إلا قومه ) )ولما نعي إليها ولدها يزيد بن أبي سفيان قال لها بعض المعزين: (( إنا لنرجو أن يكون في معاوية خلف منه ) )، فقالت: (( أو مثل معاوية يكون خلفًا من أحد؟ والله لو جمعت العرب من أقطارها ثم رمى به فيها لخرج من أيها شاء ) ).

وكان معاوية رضي الله عنه إذا نوزع الفخر بالمقدرة وجوذب بالمباهاة بالرأي انتسب إلى أمه فصدع أسماع خصمه بقوله: (( أنا ابن هند ) ).

وهذا عبد الملك بن مروان، أمه عائشة بنت المغيرة بن أبي العاص بن أمية، وكان لها من مضاء العزم، وذكاء القلب، ونفاذ الرأي ما لم يكن مروان في شيء منه، وهي التي يعنيها ابن قيس الرقيات في قوله لعبد الملك: ... أنت ابن عائشة التي ... فضلت أُرُوم نسائها

لم تلتفت لِلِدائها ... ومشت على غُلوائها

ولدت أغر مباركًا ... كالشمس وسط سمائها

وهذا أبو حفص عمر بن عبد العزيز، أورع الملوك وأعدلهم وأجلهم، أمه هي أم عاصم بن عمر بن الخطاب. أكمل أهل دهرها كمالًا وأكرمهم خلالًا، وأمها تلك التي اتخذها عمر لابنه عاصم وليس لها ما تعتز به من نشب ونسب إلا ما جرى على لسانها من قول الصدق في نصيحتها لأمها:

حكى الميداني أن عمر رضي الله عنه مر بسوق الليل ــ هي من أسواق المدينة ــ فرأى امرأة معها لبن تبيعه، ومعها بنت لها شابة، وقد همت العجوز أن تمذق لبنها ــ أي تخلطه بالماء ــ فجعلت الشابة تقول: يا أمه لا تمذقيه ولا تغشيه فوقف عليها عمر فقال: من هذه منك؟ قالت: ابنتي، فأمر عاصمًا فتزوجها، وهي جدة عمر بن عبد العزيز لأمه )) وهي التي نزعت به إلى خلائق جده الفاروق رضي الله عنه.

وهذا أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر الذي ولي الأندلس وكانت تميد بالفتن، وتشرق بالدماء، فما لبثت أن قرت له وسكنت لخشيته، ثم خرج في طليعة جنده، فافتتح سبعين حصنًا في غزوة واحدة، ثم أمعن بعد ذلك في قلب فرنسا، وتغلغل في أحشاء سويسرا، وضم أطراف إيطاليا، حتى ريض كل أولئك له، ورجِّف لبأسه، وبعد أن كانت قرطبة دار إمارة يذكر الخليفة العباسي على منابرها، وتمضى باسمه أحكامها، أصبحت مقر خلافة يحكم إليها عواهل أوربة وملوكها، ويختلف إلى معاهدها علماء الأمم وفلاسفتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت