الصفحة 18 من 43

وعن معاذ رضي الله عنه مرفوعًا: (لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا، إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو عندك دخيل، يوشك أن يفارقك إلينا) .

وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو على قتب ـ أي رحل ـ لم تمنعه نفسها) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه، فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها زوجها) .

تنبيهات:

الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: (فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح) قال الإمام ابن أبي جمرة رحمه الله: (ظاهرة اختصاص اللعن بما إذا وقع منها ذلك ليلًا لقوله(( حتى تصبح ) )وكأن السر تأكد ذلك الشأن في الليل، وقوة الباعث عليه، ولا يلزم من ذلك أنه يجوز لها الامتناع في النهار، وإنما خص الليل بالذكر لأنه المظنة لذلك)، وإطلاقات حديث ابن أبي أوفى وأبي هريرة تتناول الليل والنهار، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: (( ثلاثة لا تقبل لهم صلاة، ولا تصعد لهم إلى السماء حسنة ) )فذكر منهم (( المرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى ) )رواه ابن خزيمة وابن حبان من حديث جابر.

الثاني: قوله (( فبات غضبان عليها ) )به يتجه وقوع اللعن، لأنها حينئذ يتحقق ثبوت معصيتها، بخلاف ما إذا لم يغضب من ذلك فإنه يكون: إما لأنه عذرها، وإما لأنه ترك حقه من ذلك، واعلم انه لا يتجه عليها اللوم إلا إذا بدأت هي بالهجر، فغضب هو لذلك، أو هجرها وهي ظالمة، فلم تستنصل من ذنبها، وهجرته، أما لو بدأ هو بهجرها ظالمًا لها فلا.

الثالث: في هذه الأحاديث الإرشاد إلى مساعده الزوج وطلب مرضاته، وأن صبر الرجل على داعية النكاح أقل، ولذلك حضَّ الشارع النساء على مساعدة الرجال في ذلك، أو السبب فيه الحض على التناسل، وفيه إشارة إلى ملازمة طاعة الله والصبر على عبادته، جزاء على مراعاته لعبده، حيث لم يترك شيئًا من حقوقه إلا جعل له من يقوم به، حتى جعل ملائكته تلعن من أغضب عبده بمنع شهوة من شهواته، فعلى العبد أن يوفي حقوق ربه التي طلبها منه، وإلا فما أقبح الجفاء من الفقير المحتاج إلى الغني الكثير الإحسان.

هذا عن الزوجة، أما الزوج فكذلك يحرم عليه أن يتعمد هجر زوجته؛ فهو مأمور بأداء حقها بقدر حاجتها وقدرته، والأدلة على ذلك:

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار، وتقوم الليل؟ ) )،قلت: (( بلى يا رسول الله ) )، قال: (( فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينيك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا ) ).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (( دخلت عليَّ خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية، وكانت عند عثمان بن مظعون، قالت: فرأى رسول الله صلى عليه وسلم بذاذة هيئتها، فقال لي: (( يا عائشة ما أبذّ هيئة خويلة ‍‍‍‍‍! ) )قالت: فقلت: (( يا رسول الله امرأة لها زوج يصوم النهار، ويقوم الليل، فهي كمن لا زوج لها، فتركت نفسها، وأضاعتها ) )قالت: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن مظعون، فجاءه، فقال: (( يا عثمان أرغبة عن سنتي؟! ) )قالت: فقال: (( لا والله يا رسول الله، ولكن سنتك أطلب ) )،قال: (( فإني أنام وأصلي، وأصوم وأفطر وأنكح النساء، فاتق الله يا عثمان، فإن لأهلك عليك حقًا، وإن لضيفك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا، فصم وأفطر، وصل ونم ) ).

وروى الشعبي أن كعب بن سور كان جالسًا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجاءت امرأة فقالت: (( يا أمير المؤمنين ما رأيت رجلًا قط أفضل من زوجي، والله إنه ليبيت ليله قائمًا، ويظل نهاره صائمًا ) )فاستغفر لها، وأثنى عليها، واستحيت المرأة، وقامت راجعة، فقال كعب: (( يا أمير المؤمنين هلا أعديت المرأة على زوجها فلقد أبلغت إليك في الشكوى ) )،فقال لكعب: (( اقض بينهما، فإنك فهمت من أمرها ما لم أفهم ) )قال: (( فإني أرى كأنها امرأة عليها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت