[أ] ومن هنا كان تذكّرُ الموتِ من أقوى البواعِثِ على العُزوف عن الدنيا؛ لاسيما عند ذهاب الصالحين؛ وكأنما قصد البخاريُّ هذا المعنى في ترجمته البديعة في كتاب الرِّقاق: (باب ذهاب الصالحين) ، حيث أورد قَيْسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مِرْدَاسًا الأَسْلَمِيَّ، يَقُولُ: وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ: «يُقْبَضُ الصَّالِحُونَ، الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَتَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، لاَ يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِمْ شَيْئًا» [1]
[ب] وما أحسنَ قولَ الشاعر [2] :
ألا أيها الموتُ الذي ليس تاركي أرِحْنِي! فقد أفنيتَ كلَّ خَلِيلِ!
أراكَ بصيرًا بالذين أَوَدُّهُمْ! كأنّك تَنْحُو نَحْوَهُمْ بدليلِ!
[ت] ورحم الله أبا بكر رضي الله عنه؛ فقد روى مالك عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: لِشُهَدَاءِ أُحُدٍ «هَؤُلَاءِ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ» ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: أَلَسْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ بِإِخْوَانِهِمْ؟ أَسْلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا. وَجَاهَدْنَا كَمَا
(1) - صحيح البخاري (5/ 123) (4156)
[ش (يقبض الصالحون) يتوفون. (الأول فالأول) الأصلح فالأصلح. (حفالة) مثل حثالة وهي الرديء من كل شيء ونفايته أي من لا خير فيه من الناس. (لا يعبأ. .) لا يبالي أي ليس لهم منزلة عنده]
(2) - الطيوريات (2/ 524) ومجاني الأدب في حدائق العرب (2/ 25)