إن استعراض ما جاء في هذه الكتب وذكر بعض النماذج منها يوضح الكيفية التي كان عليها الجواب لدى هؤلاء في كتبهم، إلاّ أن ذلك لا يعني عدم أهمية ذلك في بناء مفهوم مقبول عن الجواب. ولعل كتب علوم القرآن اكثر قربًا في تناولها الجواب، وخاصة في القرآن الكريم، إلا أنها مع ذلك لم تقدم مفهومًا للجواب يمكن الاعتماد عليه وكان الزركشي (ت 764هـ) في كتابه (البرهان في علوم القرآن) اكثر من ذكر الجواب وأمثلة عنه في القرآن الكريم. ويقول عن الجواب: (( الأصل في الجواب أن يكون مطابقًا للسؤال، إذا كان السؤال متوجهًا، وقد يعدل في الجواب عما يقتضيه السؤال تنبيها على انه كان من حق السؤال أن يكون كذلك، ويسميه السكاكي(الأسلوب الحكيم) [1] ، وقد يجيء الجواب اعم من السؤال للحاجة إليه في السؤال وأغفله المتكلم، وقد يجيء انقص لضرورة الحال) [2] .
ثم يفصل بعد ذلك ما ذكره إجمالًا هنا ويورد أمثلة من الآيات القرآنية المباركة ثم يذكر بعد ذلك ان اصل الجواب أن يعاد فيه نفس سؤال السائل، ليكون وفق السائل. قال تعالى: (قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ ... ) [3] و (أنا) في جوابه عليه السلام هو (انت) في سؤالهم) [4] . ويسترسل الزركشي فيذكر العديد من القواعد والفوائد ليؤكد حقيقة مفادها انه افضل من تناول الجواب من بين من كتبوا في علوم القرآن.
ولأهمية السؤال والجواب قيل: (( العلم نصفان: نصفه سؤال، ونصفه جواب ) ) [5] اما السؤال او الاستفهام فقد درس دراسة وافية على أيدي النحويين، وقد خصصوا له بابًا اسمعوه (باب الاستفهام) في اكثر كتب النحو. فحددوا أدواته. وكيفية استعمالها، ولم يولوا الجواب الأهمية نفسها مع أن الغاية من السؤال هي الجواب واكتفوا بإشارات سريعة عنه خلال كلامهم على الاستفهام.
(1) ينظر: مفتاح العلوم، السكاكي: 553.
(2) البرهان في علوم القرآن، الزركشي، 4: 46.
(3) يوسف: (90) .
(4) البرهان في علوم القرآن، 4: 46.
(5) اللمع: 304.