الصفحة 14 من 173

واعزّه مطلبًا، وأغمضه مذهبًا، وأضيقه مسلكًا؛ لان صاحبه يعجل مناجاة الفكرة واستعمال القريحة؛ يروم في بديهة؛ نقض ما أبرم في رويةّ) [1]

ويقول بعد ذلك (أسرع الناس جوابًا عند البديهة قريش ثم بقية العرب، واحسن الجواب كله ما كان حاضرًا مع إصابة معنى وإيجاز لفظ) [2] . ويفهم من ذلك انه يعني السؤال والجواب الشفاهي الذي يدور في المخاطبات المختلفة، ثم يذكر أمثلة عديدة من الأجوبة، ومنها جواب عثمان بن عفان (رض) ثم حديث عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر مع النبي صلوات الله وسلامه عليه. ثم جواب عقيل بن أبي طالب لمعاوية وأصحابه، وجواب ابن عباس لمعاوية .. وهكذا، وهذه الأجوبة كانت تقع ضمن حوار يقوم على السؤال والجواب. وعلى المنوال نفسه ينسج أبو علي القالي (ت 356هـ) إذ يذكر عنوان (مطلب حديث معاوية مع عبد الله بن الحجر بن عبد المدان وما دار بينهما من سؤال وجواب وغريب ذلك) ويبدأ بسؤال معاوية لعبد الله عن قومه، وعن بعض قبائل العرب فيجيبه عبد الله عن جميع أسئلته حتى يقول له معاوية: (أنت اعلم بقومك) [3] ، ويورد في موضع آخر حوارًا لطيفًا بين آبي عمرو بن العلاء (ت 154هـ) واحدِ الأعراب [4] ، وهكذا لا تنفك نماذج أبى علي القالي التي يوردها عن أن تكون محاوراتٍ قائمة على السؤال والجواب.

اما أبو حيان التوحيدي (ت 414 هـ) فيذكر سمات الجواب قائلا: (( احسن الجواب ما كان حاضرًا مع إصابة المعنى، وإيجاز اللفظ، وبلوغ الحجة ) ) [5] ثم يذكر شرح ذلك بقوله: (( أما حضور الجواب فليكون الظفر عند الحاجة، وأما إيجاز اللفظ فليكون صافيًا من الحشو، وأما بلوغ الحجة فليكون حسمًا للمعارضة) [6] وهذا الكلام يكاد يتطابق مع كلام ابن عبد ربه الذي ذكرناه عن سمات الجواب، ويورد التوحيدي نماذج عديدة منها: (نظر ثابت بن عبد الله بن الزبير إلى أهل الشام فشتمهم، فقال

(1) العقد الفريد، ابن عبد ربه، 4: 3.

(2) م. ن، 4:4.

(3) الأمالي، أبو علي القالي، 1: 159.

(4) م. ن، 2: 16.

(5) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيان التوحيدي، 3: 163.

(6) الإمتاع والمؤانسة، أبو حيان التوحيدي، 3: 163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت