بموسى مع ذلك كله أعظم دليل على صدقه بدعوى الرسالة، وأن تلك الخارقة أظهرها الله تعالى على يده معجزة شاهدة بصدقه، وأما من لم يرد الله تعالى فيه خيرا كما وقع لفرعون فإنه ضل عن هذا الاستدلال واتبع طريق الشبهة، وقال للسحرة: {إنه} يعني: موسى {كبيركم الذي علمكم السحر} [] ، وهي شبهة باطلة، إذ لا يخفى أن موسى من بني إسرائيل الذين كانوا مستعبدين للأقباط قوم السحرة أصحاب السلطنة والملك، فلا داعي يدعو أولئك السحرة إلى مخالفة فرعون باتباع موسى، ولو فرض أنه هو الذي علمهم السحر، كما قال فرعون، أيصدق العقل أنهم يقدمون على ذلك لمجرد تعلمهم منه، ويقبلون الذلة بعد العزّ، والقتل والصلب عوض الحياة، وهم عقلاء يميزون الخير من الشر؟ فلولا اعتقادهم الجازم بأن تلك المعجزة ليست من نوع السحر، وهي دالة على صدق موسى في دعوى الرسالة، وأنهم وإن فارقوا عز الدنيا وعدموا حياتها الفانية، فسيعوضون بعزّ الآخرة وحياتها الأبدية، لما أقدموا ذلك الإقدام، وقبلوا ما قبلوا؛ فشبهة فرعون أضعف من بيت العنكبوت، وقد جاء بها: إما تكبّرا وعنادا، وإما جهلا وشقاء.
وكذلك لما بعث الله تعالى سيدنا عيسى - عليه الصلاة والسلام - كان فن الطب شائعا في بني إسرائيل، فكان من حكمته تعالى أن جعل الكثير من معجزاته - عليه السلام - من قبيل أعمال أهل الطب، فأبرأ على يديه الأبرص، والأكمه، وأحيا الموتى، فأهل المعرفة في علم