وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ بِذَلِكَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافٌ. أَمَّا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي عَهْدِهِ فَيَنْتَقِضُ اتِّفَاقًا.
وَحَدِيثُ فُرَاتٍ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ الْجَاسُوسِ الذِّمِّيِّ. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ جَاسُوسُ الْكُفَّارِ وَالْبُغَاةِ إذَا كَانَ قَدْ قَتَلَ أَوْ حَصَلَ الْقَتْلُ بِسَبَبِهِ وَكَانَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً، وَإِذَا اخْتَلَّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حُبِسَ فَقَطْ" [1] "
وعلى مجاهدي المسلمين أن يحذروا من تسلل عناصر الفساد إلى صفوفهم بإبداء الولاء لهم، وقصدهم الاطلاع على عورات المسلمين ونقلها إلى عدوهم، وقد يظهرون أنهم جواسيس للمسلمين على أعدائهم، فينقلون لهم - أي للمسلمين - معلومات مزيفة، أو ليست ذات بال، وعلى المسلمين أن يبتلوا من أراد الدخول في صفوفهم بتكليفهم بذل أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، لأن ذلك هو منهج الله الذي يمحص به المنتسبين إلى الإسلام، فيظهر الصادق منهم من الكاذب. كما قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [التوبة:16]
أَظَنَنْتُمْ أَنْ يَتْرُكَكُمُ اللهُ مُهْمَلِينَ، لاَ يَخْتَبِرُكُمْ بِأُمُورٍ تُظْهِرَ فِيكُمُ الصَّادِقَ مِنَ الكَاذِبَ، لِيَعْلَمَ الذِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِهِ، وَيُخْلِصُونَ فِي جِهَادِهِمْ وَنُصْحِهِمْ، للهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِلمُؤْمِنِينَ، وَيَكُونُ ظَاهِرُهُمْ كَبِاطِنِهِمْ، فِي الإِخْلاَصِ للهِ وَلِلرَّسُولِ، وَلَيْسَ لَهُمْ بِطَانَةٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَلاَ رَوَابِطُ مَعَ المُشْرِكِينَ، وَلاَ يُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِأَسْرارِ المُسْلِمِينَ وَخُطَطِهِمْ، وَاللهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا.
وَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ أنَّ التَكْلِيفَ الذِّي يَشُقُّ عَلَى الأَنْفُسِ هُو الذِي يُمَحِّصُ مَا فِي القُلُوبِ، وَيُطَهِّرُ السَّرَائِرَ، وَيَكْشِفُ مَكْنُونَاتِ السَّرَائِرِ الخَبِيثَةِ. [2]
(1) - نيل الأوطار (8/ 11)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1252،بترقيم الشاملة آليا)