لَهُ، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ، فَبَرَأَ مَكَانَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ شَيْءٌ، فَقَالَ: نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: «عَلَى رِسْلِكَ، حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» [1] ،إِلاَّ إِذَا تَضَمَّنَتْ دَعْوَتُهُمْ ضَرَرًا وَلَوْ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ كَأَنْ يَسْتَعِدُّوا أَوْ يَتَحَصَّنُوا فَلاَ يَفْعَل.
وَلَكِنَّ دَعْوَتَهُمْ لَيْسَتْ وَاجِبَةً؛ لحديث ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ، فَكَتَبَ إِلَيَّ «إِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَغَارَ عَلَى بَنِي المُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى المَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ» ،حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الجَيْشِ" [2] "
وَالْغَارَةُ لاَ تَكُونُ بِدَعْوَةٍ [3] .
وَقَيَّدَ ابْنُ الْقَيِّمِ وُجُوبَ الدَّعْوَةِ لِمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ، وَاسْتِحْبَابُهَا لِمَنْ بَلَغَتْهُ بِمَا إِذَا قَصَدَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْكُفَّارُ قَاصِدِينَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَال فَلِلْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ دَفْعًا عَنْ نُفُوسِهِمْ وَحَرِيمِهِمْ [4] .
وقال الشوكاني:"وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَقْدِيمِ دُعَاءِ الْكُفَّارِ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْمُقَاتَلَةِ."
وَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ الدُّعَاءِ لِلْكُفَّارِ إلَى الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْهَادَوِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ، وَظَاهِرُ
(1) - صحيح البخاري (4/ 47) (2942) وصحيح مسلم (4/ 1872) 34 - (2406)
[ش (الراية) العلم. (فقاموا يرجون) فقام كل من الصحابة راجيا أن تعطى الراية له. (لذلك) ليفتح على يديه. (على رسلك) اتئد في السير. (بساحتهم) الساحة المكان المتسع بين دور الحي ونحوه. (رجل) المراد ما يعم الذكر والأنثى. (حمر النعم) الإبل الحمراء وكانت أنفس الأموال عند العرب]
(2) - صحيح البخاري (3/ 148) (2541) وصحيح مسلم (3/ 1356) 1 - (1730)
[ش (غارون) غافلون أي أخذهم على غرة وبغتة. (أنعامهم) هي الإبل والبقر والغنم وأكثر ما تطلق على الإبل. (مقاتلتهم) البالغين الذين هم على استعداد للقتال. (سبى ذراريهم) أخذهم سبيا ووزعهم على الغانمين بعد أن ضرب عليهم الرق. والذراري جمع ذرية وهي ههنا النساء والأولاد غير البالغين. (أصاب يومئذ جويرية) أي كانت في السبي]
(3) - شرح فتح القدير 5/ 195 وحاشية رد المحتار 3/ 223،والمهذب 2/ 231ز
(4) - الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (2/ 6) وكشاف القناع عن متن الإقناع (3/ 41) ومطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (2/ 508)