المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: لاَ نَقُولُ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ، وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَخَلْفَكَ «فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَشْرَقَ وَجْهُهُ وَسَرَّهُ» يَعْنِي: قَوْلَهُ ما جاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ بَدْرٍ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ» فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: حَسْبُكَ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: {سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر:45] [1] .
وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ رَبَّهُ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِنِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ، مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدُ فِي الْأَرْضِ» ،فَمَا زَالَ يَهْتِفُ رَبَّهُ جَلَّ وَعَلَا مَاذَا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبِهِ، - صلى الله عليه وسلم -،فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، وَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبِهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ، فَاسْتَجَابَ لَكُمْ، أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، مُرْدِفِينَ} [الأنفال:9] ،فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلَائِكَةِ" [2] "
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا غَزَا، قَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي، وَنَصِيرِي بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أُصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ» [3]
(1) - صحيح البخاري (5/ 73) (3952 و3953)
[ش (صاحبه) صاحب ذلك المشهد. (عدل به) من كل شيء يقابل به ويوزن من أمور الدنيا]
(2) - صحيح ابن حبان - مخرجا (11/ 114) (4793) وصحيح مسلم (3/ 1384) 58 - (1763) مطولا
(3) - مستخرج أبي عوانة (4/ 217) (6564) صحيح
قَوْلُهُ: أَحُولُ، يَعْنِي: أَحْتَالُ، وَالْحَوْلُ: الْحِيلَةُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: الْمَنْعُ وَالدَّفْعُ، وَقِيلَ: «بِكَ أَحُولُ» أَيْ: أَتَحَرَّكُ، وَالْحَوْلُ: الْحَرَكَةُ، يُقَالُ: حَالَ الشَّخْصُ: إِذَا تَحَرَّكَ، «وَبِكَ أَصُولُ» أَيْ: أَحْمِلُ عَلَى الْعَدُوِّ، وَيُرْوَى: «وَبِكَ أُحَاوِلُ» ،أَيْ: أُطَالِبُ. شرح السنة للبغوي (5/ 153)
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا غَزَا قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي") بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَضَمِّ مُعْجَمَةٍ أَيْ: مُعْتَمَدِي فَلَا أَعْتَمِدُ عَلَى غَيْرِكَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْعَضُدُ كِنَايَةٌ عَمَّا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَيَثِقُ الْمَرْءُ بِهِ فِي الْخَيْرِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْقُوَّةِ اهـ. وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَضُدِ الْعُضْوُ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ لِمَا فِي الْقَامُوسِ: الْعَضُدُ بِالْفَتْحِ وَبِالضَّمِّ وَبِالْكَسْرِ وَكَكَتِفٍ وَنَدُسٍ وَعَنَقٍ مَا بَيْنَ الْمِرْفَقِ إِلَى الْكَتِفِ، وَالْعَضُدُ النَّاصِرُ وَالْمُعِينُ وَهُمْ عَضُدِي وَأَعْضَادِي (وَنَصِيرِي) أَيْ: مُعِينِي وَمُغِيثِي عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ (بِكَ أَحُولُ) أَيْ: أَصْرِفُ كَيْدَ الْعَدُوِّ وَأَحْتَالُ لِدَفْعِ مَكْرِهِمْ، مِنْ حَالَ يَحُولُ حِيلَةً بِالْكَسْرِ وَأَصْلُهُ حِوْلَةٌ، أَبْدَلَ الْوَاوَ يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: مِنْ حَالَ يَحُولُ حِيلَةً أَيْ: أَتَحَيَّلُ حِيلَةً نَافِعَةً فِي دَفْعِ كَيْدِ الْعَدُوِّ وَاسْتِئْصَالِهِمْ - فَمَعْنًى صَحِيحٌ وَلَكِنَّ الْمَأْخَذَ غَيْرُ صَرِيحٍ ; فَإِنَّ أَحُولُ وَاوِيٌّ وَالَّذِي ذَكَرَهُ يَائِيٌّ فَتَأَمَّلْ، وَقِيلَ: أَتَحَرَّكُ وَأَتَحَوَّلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، أَوْ أَحُولُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، أَوْ أُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ مِنْ حَالَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إِذَا مَنَعَ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ (وَبِكَ أَصُولُ) أَيْ: أَحْمِلُ عَلَى الْعَدُوِّ حَتَّى أَغْلِبَهُ وَأَسْتَأْصِلَهُ، وَمِنْهُ الصَّوْلَةُ بِمَعْنَى الْحَمْلَةِ (وَبِكَ) أَيْ: بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ وَعَوْنِكَ وَنُصْرَتِكَ (أُقَاتِلُ) أَيْ: أَعْدَاءَكَ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مُسْلِمٌ أَوْ مُسَالِمٌ"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1693)