فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 249

وَفِي قَوْلِهِ: ( «لَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ» ) إِشْعَارٌ بِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالرُّسُلِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا رَدُّهُ لِمَنْ جَاءَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا، فَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ الشَّرْطِ، كَمَا قَالَ أبو داود، وَأَمَّا الرُّسُلُ، فَلَهُمْ حُكْمٌ آخَرُ، أَلَا تَرَاهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِرَسُولَيْ مسيلمة وَقَدْ قَالَا لَهُ فِي وَجْهِهِ: نَشْهَدُ أَنَّ مسيلمة رَسُولُ اللَّهِ.

وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ، أَنَّ أَعْدَاءَهُ إِذَا عَاهَدُوا وَاحِدًا مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى عَهْدٍ لَا يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، أَمْضَاهُ لَهُمْ، كَمَا عَاهَدُوا حذيفة وَأَبَاهُ الحسيل أَنْ لَا يُقَاتِلَاهُمْ مَعَهُ - صلى الله عليه وسلم -،فَأَمْضَى لَهُمْ ذَلِكَ وَقَالَ لَهُمَا: «انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ» . [1]

وفي السيل الجرار:"وهكذا كان الأمر عند غير أهل الإسلام من ملوك الكفر فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يراسلهم من غير تقدم أمان منهم لرسله فلا يتعرض لهم متعرض."

والحاصل أنه لو قال قائل: إن تأمين الرسل قد اتفقت عليه الشرائع لم يكن ذلك بعيدا وقد كان أيضا معلوما ذلك عند المشركين أهل الجاهلية عبدة الأوثان .." [2] "

وقال في النيل:"وَالْحَدِيثَانِ الْأَوَّلَانِ يَدُلَّانِ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الرُّسُلِ الْوَاصِلِينَ مِنْ الْكُفَّارِ إنْ تَكَلَّمُوا بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ فِي حَضْرَةِ الْإِمَامِ أَوْ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ. وَالْحَدِيثُ الثَّالِثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ لِلْكُفَّارِ كَمَا يَجِبُ لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ تَقْتَضِي جَوَابًا يَصِلُ عَلَى يَدِ الرَّسُولِ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ عَقْدِ الْعَهْدِ." [3]

وفي عون المعبود:"فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الرُّسُلِ الْوَاصِلِينَ مِنَ الْكُفَّارِ وَإِنْ تَكَلَّمُوا بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ فِي حَضْرَةِ الْإِمَامِ" [4]

وكان - صلى الله عليه وسلم - يشتد غيظه إذا قتل الأعداء أحد رسله، فقد بعث الحارث بن عمير الأزدي إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، فقتله ... فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْحَارِث بْن عُمَيْرٍ الأَزْدِيَّ إِلَى مَلِكِ بُصْرَى بِكِتَابِهِ. فَلَمَّا نَزَلَ مُؤْتَةَ عَرَضَ لَهُ شُرَحْبِيلُ بْن عَمْرٍو الْغَسَّانَيُّ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟

(1) - زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 125)

(2) - السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار (ص:968)

(3) - نيل الأوطار (8/ 37)

(4) - عون المعبود وحاشية ابن القيم (7/ 314)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت