وإن أي أمة تتساهل في أمر اليهود حتى يتمكنوا من جمع كلمتهم وتنظيم أنفسهم في أرضها لهي - في تساهلها ذلك - تضع نهاية لوجودها، وهي لا تخلوا من أحد أمرين:
فإما أن تكون متواطئة مع اليهود للقضاء على كيان الإسلام والمسلمين، وإما أن تكون مغلوبة على أمرها، والأمر الثاني أخف لأن الأمة المغلوبة على أمرها، يمكنها في يوم من الأيام أن تثب على جرثومة الفساد فتبيدها، وإن طال الزمان وأما الأمر الأول، فهو الخطر الذي يصعب محوه إلا إذا جاء جيل آخر فصب لعائن الله على أسلافه الذين أوقعوه في شباك هذا السرطان ثم صمم على استئصاله فاستأصله.
وقد أجاد الخرقي في مختصره، إذ جمع هذه المعاني كلها بالنسبة للأسير فقال:"وَإِذَا سَبَى الْإِمَامُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ رَأَى قَتَلَهُمْ، وَإِنْ رَأَى مَنَّ عَلَيْهِمْ وَأَطْلَقَهُمْ بِلَا عِوَضٍ، وَإِنْ رَأَى أَطْلَقَهُمْ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ، وَإِنْ رَأَى فَادَى بِهِمْ، وَإِنْ رَأَى اسْتَرَقَّهُمْ، أَيَّ ذَلِكَ رَأَى فِيهِ نِكَايَةً لِلْعَدُوِّ وَحَظًّا لِلْمُسْلِمِينَ فَعَلَ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ أُسِرَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ أَحَدُهَا، النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ، وَيَصِيرُونَ رَقِيقًا لِلْمُسْلِمِينَ بِنَفْسِ السَّبْيِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - «نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ» .مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ."
وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَسْتَرِقُّهُمْ إذَا سَبَاهُمْ. الثَّانِي، الرِّجَالُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس الَّذِينَ يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، فَيَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِمْ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ؛ الْقَتْلُ، وَالْمَنُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَالْمُفَادَاةُ بِهِمْ، وَاسْتِرْقَاقُهُمْ. الثَّالِثُ، الرِّجَالُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ، فَيَتَخَيَّرُ، الْإِمَامُ فِيهِمْ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ الْقَتْلُ، أَوْ الْمَنُّ، وَالْمُفَادَاةُ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ. وَعَنْ أَحْمَدَ جَوَازُ اسْتِرْقَاقِهِمْ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَبِمَا ذَكَرْنَا فِي أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَعَنْ مَالِكٍ كَمَذْهَبِنَا. وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ الْمَنُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ فِعْلُ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، كَرَاهَةُ قَتْلِ الْأَسْرَى.
وَقَالُوا: لَوْ مَنَّ عَلَيْهِ أَوْ فَادَاهُ كَمَا صُنِعَ بِأُسَارَى بَدْرٍ. وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد:4] .فَخَيَّرَ بَعْدَ الْأَسْرِ بَيْنَ هَذَيْنِ لَا غَيْرُ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ شَاءَ ضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَرَقَّهُمْ، لَا غَيْرُ، وَلَا يَجُوزُ مَنٌّ وَلَا فِدَاءٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ