فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 249

الفائدة الثالثة: حلمه وصبره وقد ناداه الأسير عدة مرات باسمه يا محمد دون صفته يا رسول الله وهو يجيبه في كل مرة ويأتيه ويقول له: (ما شأنك؟) .

الفائدة الرابعة: أن الرجل لو أسلم قبل الأسر لما كان عليه من سبيل وأفلح كل الفلاح، الفلاح عند الله تعالى بإسلامه مطيعًا مختارًا، والفلاح من الأسر الذي حصل له بسبب أنه لم يسلم قبل ذلك.

الفائدة الخامسة: أنه إذا تعارضت مصلحتان قدم أعلاهما، فالرجل ادعى الإسلام وهو في الأسر وقبيلته قد أسرت رجلين صحابيين مجاهدين، قد ثبتا على الإسلام وجاهدا لإعلائه، ففضَّل الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يفتديهما به، وهو إذا كان صادقًا في إسلامه سيلحق بالرسول - صلى الله عليه وسلم -.

هذا مع العلم أنه كان من حق الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يبقيه رقيقًا، وإن أسلم بعد الأسر، لأن الإسلام لا يُذهب الرق كما هو معلوم، وإن كان يحث عليه ويفتح أبوابه على مصراعيها، وفداء صحابيين حرين فيهما تلك الصفات، وهما ممن يخشى عليهما من غدر المشركين بهما، وهو لا يخشى عليه ذلك أمر لا بد منه.

وقد يرى الإمام أن المصلحة في تطهير الأرض من الأسير لخبثه وشركه الذي يظهر أنه من طبعه، فله أن يقتله ويريح البشرية منه، كما فعل - صلى الله عليه وسلم - ببني قريظة الذين حكم فيهم سعد بن معاذ رضي الله عنه بقتل المقاتلة وسبي الذرية، وكان ذلك هو حكم الله الذي وفق له سعد رضي الله عنه، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ، فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» فَجَاءَ، فَجَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَؤُلاَءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ، قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ المُقَاتِلَةُ، وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ، قَالَ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِكِ» [1]

(1) - صحيح البخاري (4/ 67) (3043)

(نزلوا على حكمك) رضوا أن تحكم فيهم. (المقاتلة) البالغين الذين من شأنهم أن يقاتلوا. (تسبى الذرية) يؤخذ النساء والصبيان سبيا فيجعلون أرقاء ويوزعون على الغانمين المسلمين. (بحكم الملك) بالحكم الذي يريده الله تعالى]

(قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ) .قِيلَ أَيْ: لِتَعْظِيمِهِ، وَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَدَمِ كَرَاهَتِهِ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ لِلْإِبَاحَةِ وَلِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ قُومُوا لِإِعَانَتِهِ فِي النُّزُولِ عَنِ الْحِمَارِ إِذْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ وَأَثَرُ جُرْحٍ أَصَابَ أَكْحَلَهُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، وَلَوْ أَرَادَ تَعْظِيمَهُ لَقَالَ: قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ تَخْصِيصُ الْأَنْصَارِ وَالتَّنْصِيصُ عَلَى السِّيَادَةِ الْمُضَافَةِ، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَقُومُونَ لَهُ - صلى الله عليه وسلم - تَعْظِيمًا لَهُ، مَعَ أَنَّهُ سَيِّدُ الْخَلْقِ؛ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ عَلَى مَا سَيَأْتِي.

قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لَيْسَ هَذَا مِنَ الْقِيَامِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ التَّعْظِيمُ عَلَى مَا كَانَ يَتَعَاهَدُهُ الْأَعَاجِمُ فِي شَيْءٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ أَنَّهُ نَهَى عَنْهُ وَعُرِفَ مِنْهُ إِلَى آخِرِ الْعَهْدِ، وَإِنَّمَا كَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجِعًا لِمَا رُمِيَ فِي أَكْحَلِهِ مَخُوفًا عَلَيْهِ مِنَ الْحَرَكَةِ حَذَرًا مِنْ سَيَلَانِ الْعِرْقِ بِالدَّمِ، وَقَدْ أُتِيَ بِهِ يَوْمَئِذٍ لِلْحُكْمِ الَّذِي سَلَّمَتْ إِلَيْهِ بَنُو قُرَيْظَةَ إِلَيْهِ عِنْدَ النُّزُولِ عَلَى حُكْمِهِ، فَأَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ إِلَيْهِ لِيُعِينُوهُ عَلَى النُّزُولِ مِنْ عَلَى الْحِمَارِ، وَيَرْفُقُوا بِهِ فَلَا يُصِيبُهُ أَلَمٌ مِنَ الْمَرْكَبِ، وَلَوْ كَانَ يُرِيدُ بِهِ التَّوْقِيرَ وَالتَّعْظِيمَ لَقَالَ: قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ، وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي قِيَامِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ عِنْدَ قُدُومِهِ عَلَيْهِ، وَمَا رُوِيَ «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: مَا دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَّا قَامَ إِلَيَّ أَوْ تَحَرَّكَ» ،فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ لِضَعْفِهِ، الْمَشْهُورُ عَنْ عَدِيٍّ إِلَّا وَسَّعَ لِي، وَلَوْ ثَبَتَ فَالْوَجْهُ فِيهِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّرْخِيصِ حَيْثُ يَقْتَضِيهِ الْحَالُ، وَقَدْ كَانَ عِكْرِمَةُ مِنْ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ، وَعَدِيٌّ كَانَ سَيِّدَ بَنِي طَيِّئٍ، فَرَأَى تَأْلِيفَهُمَا بِذَلِكَ عَلَى الْإِسْلَامِ، أَوْ عَرَفَ مِنْ جَانِبِهِمَا تَطَلُّعًا إِلَيْهِ عَلَى حَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ حُبُّ الرِّيَاسَةِ اهـ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ قِيَامَهُ لِعِكْرِمَةَ إِنَّمَا كَانَ لِكَوْنِهِ قَادِمًا مُهَاجِرًا كَمَا سَبَقَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ، وَقَدْ تَعَقَّبَ الطِّيبِيُّ التُّورِبِشْتِيَّ بِأَنَّ"إِلَى"فِي هَذَا الْمَقَامِ أَفْخَمُ مِنَ اللَّامِ، وَأَتَى بِمَا يُرْجِعُ عَلَيْهِ الْمَلَامَ، وَخَرَجَ عَنْ مَقَامِ الْمَرَامِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: فِي الْحَدِيثِ إِكْرَامُ أَهْلِ الْفَضْلِ مِنْ عِلْمٍ أَوْ صَلَاحٍ أَوْ شَرَفٍ بِالْقِيَامِ لَهُمْ إِذَا أَقْبَلُوا، هَكَذَا احْتَجَّ بِالْحَدِيثِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الْقِيَامُ الْمَنْهِيُّ تَمَثُّلُهُمْ قِيَامًا طُولَ جُلُوسِهِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْقِيَامُ لِلْقَادِمِ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ مُسْتَحَبٌّ، وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ وَلَمْ يَصِحَّ فِي النَّهْيِ عَنْهُ شَيْءٌ صَرِيحٌ، وَقَدْ جَمَعْتُ كُلَّ ذَلِكَ مَعَ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ فِي جُزْءٍ وَأَجَبْتُ فِيهِ عَمَّا يُوهِمُ النَّهْيَ عَنْهُ اهـ.

وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْحَاجِّ الْمَالِكِيُّ فِي مَدْخَلِهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ رَدًّا بَلِيغًا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الَّذِينَ عَنَاهُمُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِقَوْلِهِ: قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ، هَلْ هُمُ الْأَنْصَارُ خَاصَّةً أَمْ جَمِيعُ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَعَهُمْ؟ قُلْتُ: هَذَا وَهْمٌ فَإِنَّهُ مَعَ صَرِيحِ قَوْلِهِ لِلْأَنْصَارِ: قُومُوا، كَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْعُمُومُ الشَّامِلُ لِلْمُهَاجِرِينَ؟ نَعَمْ يَحْتَمِلُ عُمُومَ الْأَنْصَارِ وَخُصُوصَ قَوْمِهِ مِنْهُمْ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْإِمَامُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ: الْقِيَامُ مَكْرُوهٌ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْظَامِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِكْرَامِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْإِكْرَاهِ الْقِيَامَ لِلتَّحِيَّةِ بِمَزِيدِ الْمَحَبَّةِ، كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْمُصَافَحَةُ، وَبِالْإِعْظَامِ التَّمَثُّلَ لَهُ بِالْقِيَامِ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى عَادَةِ الْأُمَرَاءِ الْفِخَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِكُلِّ حَالٍ وَمَقَامٍ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 2972)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت