فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 249

والحدّ الأعلى للتقوى أن يصل المسلم في وَرَعه إلى ملازمة نوافل الطاعات واجتناب المكروهات، بل أن يصل إلى ترك بعض المباحات خشية من الوقوع في المكروهات أو المحرمات، كما في الحديث القدسي الذي رواه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ" [1] .

وعَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَا يَبْلُغُ العَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ البَأْسُ» [2] .

(1) - صحيح البخاري (8/ 105) (6502)

(وليا) هو العالم بدين الله تعالى المواظب على طاعته المخلص في عبادته. (آذنته بالحرب) أعلمته بالهلاك والنكال. (مما افترضت عليه) من الفروض العينية وفروض الكفاية. (كنت سمعه. ز) أحفظه كما يحفظ العبد جوارحه من التلف والهلاك وأوفقه لما فيه خيره وصلاحه وأعينه في المواقف وأنصره في الشدائد. (استعاذني) استجار بي مما يخاف (ما ترددت) كناية عن اللطف والشفقة وعدم الإسراع بقبض روحه (مساءته) إساءته بفعل ما يكره]

(2) - سنن الترمذي ت شاكر (4/ 634) (2451) حسن

فيه عبدالله بن يزيد الرفقي وثقه ابن حبان وحسن له الترمذى وصحح له الحاكم ووافقه النووي والذهبي راجع التهذيب 6/ 82 و83 ونقل ابن عدي عن السعدى: عبداللَّه بن يزيد الذي يروي عنه أبوعقيل الثقفي أحاديثه منكرة وهذا الذى حكاه السعدي لا أقف على معرفة ذلك اهـ الكامل 4/ 237ز

أقول: كلام السعدي ومن وافقه مردود إذ لو كان له أحاديث منكرة لذكرها ابن عدي وتناقض الذهبي في ترجمته فقال في الكاشف (3102) حسن له ت، ووافقه ك على تصحيح حديثه وفي الديوان (2348) قال الجوزجاني: أحاديثه منكرة!!

(لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ) :أَيْ: لَا يَصِلُ كَوْنُهُ وَحُصُولُهُ وَثُبُوتُهُ (مِنَ الْمُتَّقِينَ) أَيِ: الْكَامِلِينَ (حَتَّى يَدَعَ) :أَيْ يَتْرُكَ (مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ بِأَسٌ) مَفْعُولٌ لَهُ، أَيْ: خَوْفًا مِنْ أَنْ يَقَعَ فِيمَا فِيهِ بَأْسٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ) ظَرْفُ (يَبْلُغُ) عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ دَرَجَةَ الْمُتَّقِينَ، وَالْمُتَّقِي فِي اللُّغَةِ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَقَاهُ فَاتَّقَى، وَالْوِقَايَةُ فَرْطُ الصِّيَانَةِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ: الَّذِي يَقِي نَفْسَهُ تَعَاطَى مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعُقُوبَةَ مِنْ فِعْلٍ وَتَرْكٍ، وَقِيلَ: التَّقْوَى عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ؛ الْأُولَى: التَّقْوَى عَنِ الْعَذَابِ الْمُخَلِّدِ بِالتَّبَرُّئِ مِنَ الشِّرْكِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} [الفتح:26] "وَالثَّانِيَةُ: التَّجَنُّبُ عَنْ كُلِّ مَا يُؤْثِمُ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ حَتَّى الصَّغَائِرِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَهُوَ الْمُتَعَارَفُ بِالتَّقْوَى فِي الشَّرْعِ وَالْمَعْنَى بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا} [الأعراف:96] ،وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَنَزَّهَ عَمَّا يَشْغَلُ سِرَّهُ عَنِ الْحَقِّ وَيُقْبِلُ بِشَرَاشِرِهِ إِلَى اللَّهِ، وَهِيَ التَّقْوَى الْحَقِيقِيَّةُ الْمَطْلُوبَةُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: {اتَّقُوُا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران:102] وَالْحَدِيثُ وَإِنِ اسْتُشْهِدَ بِهِ لِلْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَبْلَغُ وَأَجْمَعُ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ عَلَيْهِ"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/ 1901)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت