ومدح التقوى، فقال: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف:26] .
وقال: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة:197] ،وأثنى على أهلها وجعلهم أحقّ بها وأهلها، فقال: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الفتح:26] .
وقال تعالى: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) } [البقرة:1،2] .
وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرًا عامًا، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» [1] .
(1) - سنن الترمذي ت شاكر (4/ 355) (1987) صحيح لغيره
(اتَّقِ اللَّهَ) أَيْ: بِالْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ وَالِانْتِهَاءِ عَنْ سَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ، فَإِنَّ التَّقْوَى أَسَاسُ الدِّينِ، وَبِهِ يَرْتَقِي إِلَى مَرَاتِبِ الْيَقِينِ، ثُمَّ التَّحْقِيقُ أَنَّ التَّقْوَى أَدْنَاهَا التَّبَرُؤُ عَنِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وَأَعْلَاهَا الْإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَاهُ، وَمَا بَيْنَهُمَا مَرَاتِبُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ مِنْ تَرْكِ الْمَحْظُورِ، ثُمَّ الْمَكْرُوهِ، ثُمَّ الْمُبَاحِ مِمَّا لَا يَعْنِي (حَيْثُمَا كُنْتَ) أَيْ: فِي الْخَلَاءِ وَفِي النَّعْمَاءِ وَالْبَلَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِسِرِّ أَمْرِكَ كَمَا أَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى ظَوَاهِرِكَ، فَعَلَيْكَ بِرِعَايَةِ دَقَائِقِ الْأَدَبِ فِي حِفْظِ أَوَامِرِهِ وَمَرَاضِيهِ، وَالِاحْتِرَازِ عَنْ مَسَاخِطِهِ وَمَسَاوِيهِ، (وَأَتْبِعِ) :أَمْرٌ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ: هُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ (السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ) أَيِ: التَّوْبَةَ وَالطَّاعَةَ مُطْلَقًا، أَوْ بِأَنْ تُبَاشِرَ حَسَنَاتٍ تُضَادُّ آثَارُهَا تِلْكَ السَّيِّئَاتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَسَمَاعُ الْمَلَاهِي يُكَفَّرُ بِسَمَاعِ الْقُرْآنِ وَبِمَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْوَعْظِ عَنِ الْمَنَاهِي، وَشُرْبُ الْخَمْرِ يُكَفَّرُ بِالصِّدْقِ بِكُلِّ شَرَابٍ حَلَالٍ، وَعَلَى هَذَا فَقِسْ لِأَنَّ الْمَرَضَ يُعَالَجُ بِضِدِّهِ، وَالْمُتَضَادَّاتُ هِيَ الْمُنَاسَبَاتُ، فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَمْحُوَ كُلَّ سَيِّئَةٍ بِحَسَنَةٍ مِنْ جِنْسِهَا لَنْ تُضَادَّهَا، فَالْبَيَاضُ يُزَالُ بِالسَّوَادِ لَا بِغَيْرِهِ، وَحُبُّ الدُّنْيَا لِأَنَّ أَثَرَ السُّرُورِ بِهَا فِي الْقَلْبِ، فَلَا جَرَمَ كَفَّارَتُهُ كُلُّ أَذًى يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنَ الْهَمِّ وَالْغَمِّ اهـ.
وَلَا خَفَاءَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ حُسْنُ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ حُبِّ الدُّنْيَا، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمُشَاكَلَةِ لِأَنَّ الْهَمَّ وَالْغَمَّ لَيْسَا مِنَ الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْمُرَادُ بِهَا فِي الْحَدِيثِ، عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِ: أَتْبِعِ، فَالصَّوَابُ أَنَّ مُقَابَلَةَ حُبِّ الدُّنْيَا بِضِدِّهَا، وَهُوَ بُغْضُهَا بِأَنْ يَتَصَدَّقَ وَلَوْ بِبَعْضِهَا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُنَاسَبَاتِ غَيْرُ لَازِمَةٍ فِي مَحْوِ السَّيِّئَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114] وَقَدْ وَرَدَتِ الْآيَةُ فِيمَنْ قَبَّلَ امْرَأَةً، ثُمَّ صَلَّى مَعَهُ - صلى الله عليه وسلم - وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (تَمْحُهَا) أَيْ: تَدْفَعُ الْحَسَنَةُ السَّيِّئَةَ وَتَرْفَعُهَا وَالْإِسْنَادُ مَجَازِيٌّ، وَالْمُرَادُ يَمْحُو اللَّهُ بِهَا آثَارَهَا مِنَ الْقَلْبِ أَوْ مِنْ دِيوَانِ الْحَفَظَةِ، هَذَا إِذَا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْعَبْدِ فَتُدْفَعُ الْحَسَنَةُ إِلَى خَصْمِهِ عِوَضًا عَنِ الْمَظْلِمَةِ أَوْ يُرْضِيهِ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: صَغَائِرُ الذُّنُوبِ تَقَعُ مُكَفَّرَةً بِالْحَسَنَاتِ، وَكَذَا مَا خُفِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء:31] وَالْحَدِيثِ، أَمَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَتَحَقَّقَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَلَا يَسْقُطُ حَدُّهَا وَلَا بِالتَّوْبَةِ، وَلَمَّا وَصَّاهُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِصْلَاحِ نَفْسِهِ دُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ فَقَالَ: (وَخَالِقِ النَّاسَ) :أَمْرٌ مِنَ الْمُخَالَقَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخُلُقِ مَعَ الْخَلْقِ أَيْ: خَالِطْهُمْ وَعَامِلْهُمْ (بِخُلُقٍ حَسَنٍ) :وَهُوَ بَسْطُ الْمُحَيَّا وَبَذْلُ النَّدَى وَتَحَمُّلُ الْأَذَى"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3177) "