فعَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا} [الحشر:5] الْآيَةُ، أَيْ لِيَعِظَهُمْ، فَقَطَعَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ النَّخْلَ، وَأَمْسَكَ آخَرُونَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَكُونَ إِفْسَادًا، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ فِي الْفَسَادِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} [الحشر:5]
وعَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا} [الحشر:5] قَالَ: نَهَى بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ بَعْضًا عَنْ قَطْعِ النَّخْلِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا هِيَ مَغَانِمُ الْمُسْلِمِينَ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِتَصْدِيقِ مَنْ نَهَى عَنْ قَطْعِهِ، وَتَحْلِيلِ مَنْ قَطَعَهُ مِنَ الْإِثْمِ، وَإِنَّمَا قَطْعُهُ وَتَرْكُهُ بِإِذْنِهِ""
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} [الحشر:5] الْآيَةُ. وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ [1]
وعلى القول بإباحة ذلك الأحناف، والمالكيون - في قول - والشافعية، وأدلتهم واضحة فيما تقدم.
قال السرخسي رحمه الله:"وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُحَرِّقُوا حُصُونَهُمْ وَيُغْرِقُوهَا وَيُخَرِّبُوا الْبُنْيَانَ وَيَقْطَعُوا الْأَشْجَارَ وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَكْرَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي وَصِيَّةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:لَا تَقْطَعُوا شَجَرًا وَلَا تُخَرِّبُوا وَلَا تُفْسِدُوا ضَرْعًا وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا} [البقرة:205] الْآيَةُ وَتَأْوِيلُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ أَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنَّ الشَّامَ تُفْتَحُ لَهُ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا: إنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَى كُنُوزِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ» فَقَدْ أَشَارَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى ذَلِكَ فِي وَصِيَّتِهِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكُمْ عَلَيْهِمْ وَمُمَكِّنٌ لَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا فِيهَا مَسَاجِدَ فَلَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْكُمْ أَنَّكُمْ تَأْتُونَهَا تَلَهِّيًا فَلَمَّا عَلِمَ أَنْ ذَلِكَ كُلَّهُ مِيرَاثٌ لِلْمُسْلِمِينَ كَرِهَ الْقَطْعَ وَالتَّخْرِيبَ لِهَذَا."
ثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ مَا ذَكَرَهُ الزُّهْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - «أَمَرَ بِقَطْعِ نَخِيلِ بَنِي النَّضِيرِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَادَوْهُ مَا كُنْت تَرْضَى بِالْفَسَادِ يَا أَبَا
(1) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (22/ 511) صحيح مرسل والآخير صحيح