فإذا كان الإنسان فيما مضى فقيرًا، لا أحد يعرفه، وليس له زوجة، وليس له ولد، وليس له مأوى، ثم تفضل الله عليه، وأخذ الشهادة، وتعين في الوظيفة، أو صار طبيبًا أو مهندسًا، وأخذ الناس, يقولون له: الدكتور فلان، المهندس فلان، فلا ينظر إلى نفسه أنه كسب ذلك بذكائه، وإنما ذلك فضل الله عليه، الإنسان كلما تذكر ماضيه، فهذا التذكُّر يعينه على شكر نعم الله عليه، والإنسان تحت ألطاف الله عزَّ وجل، فكل أمره وسلامته بيد الله.
يملك خبرة في موضوع يعيش منها كريمًا، فلو أن نقطة دم تخثرت في أحد شرايين المخ، لنسي عندها كل معلوماته، ولَفَقَد ذاكرته، فهناك فقد ذاكرة كلي، وفقد ذاكرة جزئي، لو أن الإنسان اختل عقله, لما عاد له محل في بيته مع أولاده، أصبح محله في مستشفى الأمراض العقلية، ولو أنّ إنسانًا وقع له حادث سير، وأصيبَ بشلل في نصفه الأسفل، أو في العمود الفقري لخسر كل شيء، فالإنسان تحت ألطاف الله عزَّ وجل.
فالإنسان لا ينظر إلى آخر أوضاعه، دائمًا يرجع إلى أقل أوضاعه، إلى بداياته، فإذا أقام موازنة بين البدايات وبين النهايات, يرى فضل الله العظيم عليه, لذلك دائمًا تذكّر قوله تعالى:
{وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا}
(سورة النساء الآية: 113)
إذا دخل الإنسان إلى بيته، أو خرج منه، رأى نفسه طليقة، محبوبة، معززة، مكرمة، هذه كلها نعم, أنعم الله بها عليه، رأى صحته تامة، أولاده لهم سمعة طيبة، سيرتهم محمودة، زوجته ترضيه، فكل أمرِه خير، سأل الملك وزيرَه:"مَن الملِك؟ فقال الوزير: أنت، فقال الملِك: لا، بل الملك من كان له بيت يؤويه، وزوجة ترضيه، ورزق يكفيه".
هذه الموازنة أجروها دائمًا بين البدايات والنهايات، من أجل أن تحب الله عزَّ وجل، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:"أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللَّهِ وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بِحُبِّي".