والشيء الذيُ يضِحك أنّ أهل الغنى، وأهل القوة، وأهل الوسامة، هؤلاء يتوهمون أن الله يحبهم كثيرًا، ولولا أنه يحبهم لما جعلهم بهذا الوضع، وكلمة العوام الشائعة أي أن الله عزَّ وجل إذا أحب عبده أرجاه ملكه, يذهب يسافر إلى بلاد أجنبية، يرتكب كل المحرمات، ينسى ربه، ينغمس في الشهوات المنحطة، وفوق هذا يقول: إذا الله أحب عبده أرجاه ملكه, هذا كلام مضحك,"كم من مستدرجٍ بالإحسان إليه ومغرورٌ بالستر عليه"، الله ستِّير، وهو من أسمائه الحسنى، لكن هذا السِّتر ليس إلى مالا نهاية، فإذا استخف الإنسانُ بستر الله عزَّ وجل يفضحه في عقر داره، إذا استخف بستر الله عزَّ وجل يفضحه بطريقة غريبة، هذا الذي يُكِنُّه يظهر للملأ، هذا الذي يخفيه يشيع عنه، إذًا:"ما أسر عبدٌ سريرةً إلا ألبسه الله ثوبها".
لما ربنا عزَّ وجل يعاقب الإنسان، قد يسأل: لماذا عاقبني ربي؟ أما إذا أكرمه وليس بالمستوى المطلوب، فهذا استدراج، وربنا عزَّ وجل قال:
{فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}
(سورة القلم الآية: 44 - 45)
لماذا قال متين؟ متين كلمة يعرفها أخوتنا الفيزيائيون، المتانة صفة في الجسم تقاوم قوى الشد، أما القساوة صفة في الجسم تقاوم قوى الضغط، الإسمنت يتحمل السنتيمتر مكعب فوقه مئتي كيلو، وإذا كان صب بطريقةٍ صحيحةٍ أصولية يتحمل خمسمئة كيلو، لكن هذا السنتيمتر مكعب للإسمنت لا يتحمل خمسة كيلو على الشد، خمسة كيلو ينقطع، من خمسمئة كيلو إلى خمسة، لذلك الإسمنت لا بد له من تسليح بالحديد، كي يقاوم قوى الشدِّ لا قوى الضغط، أحيانًا تجد دعامة حاملة بناء ثلاثة عشر طابقًا، أستغرب، حجم الدعامات قليل، وتحمل بناءً ضخمًا، الإسمنت يتحمل قوى الضغط، ولا يتحمل قوة الشد، وربنا قال:
{وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}
(سورة القلم الآية: 45)