الصفحة 294 من 371

بعضهم لخّص الحضارة الغربية بكلمتين, فقال: سيطرة على الطبيعة، وبعضهم لخص الحضارة الإسلامية بكلمتين, فقال: سيطرةٌ على الذات، غير المؤمن كالحيوان الجموح، يتحرَّك بلا ضوابط، بينما المؤمن مقيدٌ بالأمر والنهي، لذلك إذا دعته شهوته إلى معصية الله جعل شهوته تحت قدمه.

بالمناسبة ما كان الله ليعذب قلبًا بشهوةٍ ترَكها صاحُبها في سبيل الله، أيُّ إنسان إذا شعر بنزوعٍ نحو شهوةٍ ما، وترك هذه الشهوةَ لله، فما كان الله ليعذب قلبه بهذه الشهوة، بل إنّ الله سبحانه وتعالى يرزقه حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاه، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:"من غض بصره عن محارم الله رزقه الله حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاه".

(ورد في الأثر)

أيُّ منظرٍ جميلٍ تتوق له النفس، فإذا قلت: إني أخاف الله رب العالمين، أعطاك الله سعادةً تفوق هذه الشهوةَ التي حرمت نفسك منها بملايين المرات، وهذا هو سر الدين، فأنت إنسانٌ لك جسم، ولك نفس، جسمك له طباع، ونفسك لها خصائص، نفسك مفطورةٌ على معرفة الله وعلى طاعته، وجسمك مفطورٌ على الراحة، لذلك كل التكاليف تتناقض مع طبيعة الإنسان، وكل التكاليف تتوافق مع فطرة النفس، فالفطرة متوافقةٌ مع الأمر والنهي، الإنسان لا ترتاح نفسه إلا إذا أطاع الله عزّ وجل، لا ترتاح نفسه إلا بطاعة الله، لكن جسمه قد تتناقض حاجاته مع الأمر والنهي، الصيام يتناقض مع حاجات الجسد، غض البصر يتناقض مع حاجات الجسد، إنفاق المال يتناقض مع حاجات الجسد، أداء الصلوات يتناقض مع حاجات الجسد، إذًا: هذا معنى قول الله عزّ وجل:

{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}

(سورة الليل الآية: 5 - 7)

{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى}

(سورة النازعات الآية: 40 - 41)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت