الصفحة 243 من 371

حينما كنا في الجامعة علمونا أن أفصح كلامٍ بعد كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإطلاق هو كلام الإمام علي، والحقيقة كتاب نهج البلاغة، وإن كان فيه نصوصٌ كثيرةٌ منحولةٌ ليستْ للإمام عليّ كرَّم الله وجهه، ورغم ذلك لا يمنعنا هذا أن نطالعه، فهو أعلى درجة من درجات الفصاحة والبلاغة مع المضمون الذي يُعَد, كما قال عليه الصلاة والسلام:

"أنا مدينة العلم وعليٌ بابها".

(ورد في الأثر)

نهج البلاغة مدروس دراسة وافية، وله فهارس كثيرة جدًا، وفيه أقوال لسيدنا علي وخطب، ورسائل بعث بها إلى ولاته، وأجمل ما في هذا الكتاب أقواله المأثورة، فهي حِكمٌ من أعلى الدرجات، فمن أقواله المشهورة:"يا دنيا إليك عني، طلقتك بالثلاث، غُرِّي غيري", فإذا ضحكت الدنيا على آلاف الآلاف من عباقرة الدنيا فإنَّ هذا الإمام العظيم ضحك على الدنيا، ولم تضحك عليه الدنيا،"يا دنيا غري غيري طلقتك بالثلاث، أمدك قصير وشأنك حقير، آهٍ من قلَّة الزاد، وبُعْدِ الطريق".

يقول علماء السيرة عن هذا الإمام الجليل:"لم يكن بين ما يقول وبين ما يفعل بُعدٌ ولا مسافةٌ ولا فراغ"، وهذا يعني أن أعظم ما في شخصية الإنسان التطابقُ التامُّ, من البساطة والسهولة أن تتحدث بالكلام اللطيف الطيب، قضية سهلة لا تكلف شيئًا، أي أن ينطلق لسانك بكلامٍ موزونٍ منمَّقٍ عميقٍ، هذا الشيء لا يكلف إلا أن تقرأ وأن تتابع, لكن بطولتك أن لا تكون إلا بهذا التطابق الدقيق بين ما تقول وبين ما تفعل.

لذلك أيها الأخوة, المؤمنون يتفاضلون بشيءٍ واحد، هو مدى التطابق بين أقوالهم وأفعالهم، أمّا الأقوال فهي طيبة، فكل إنسان إذا قرأ وحفظ، وكان قويَّ البيان والحجة يتكلم، لكن مَن الذي يستحق أن يكون داعيةً إلى الله عزَّ وجل؟ هو الذي لا تجد مسافةً بين سلوكه وبين أقواله

فهذه هي الميزة الأساسية في هذا الصحابي الجليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت