سيدنا الصديق كان مسافرًا، وعاد إلى مكة المكرمة، لكن هذه المرة عاد إلى مكة المكرمة، وفيها حدث جلل، وفيها أمر عظيم، وفيها خبر يدوي الأرجاء، ما هذا الخبر؟ اقترب أبو بكر من مكة المكرمة فشعر أن فيها حدثًا لم يكن حينما غادرها، فلما دخل مكة، وقابل أصدقاءه تقدمهم أبو جهل وتعانقا، وبدأ أبو جهل يقول: أَو حدَّثوك عن صاحبك يا عتيق، سيدنا الصديق كان اسمه في الجاهلية عتيقًا، فأجابه أبو بكر: ماذا تعني؟ فقال أبو جهل: أعني يتيم بني هاشم، قال أبو بكر: تعني محمدًا الأمين، ودار حوار سريع بين أبي جهل وبين الصديق، قال: سمعت أنت ما يقول يا عمرو بن هشام؟ قال: نعم سمعته، وسمعه الناس جميعًا، قال: وماذا يقول؟ قال: يقول إن في السماء إلهًا، أرسله إلينا لنعبده، ونترك ما كان يعبد آباؤنا، ثم إنّ سيدنا الصديق سأل أو قال: إن الله أوحى إليه؟ قال أبو جهل: أجل، قال الصديق: ألم يقل كيف كلمه ربُّه؟ قال أبو جهل: إن جبريل أتاه في غار حراء، وتألق وجه أبي بكر كأنه الشمس، قال في هدوء وسكينة: إن كان قال هذا: فقد صدق.
الأسباب التي دعت الصديق إلى تصديق خبر السماء:
1 -شكه في طلب الحقيقة الذي وصل به إلى اليقين خلال البحث عنها:
الفصل كله حول هذه الكلمة، إن كان قال هذا: فقد صدق، ولهذه الأسباب سمي الصديق، لأن يقينه بصدق محمد عليه الصلاة والسلام فوق الشك, إنسان عاش أربعين سنة ما جرب الناس عليه كذبة قط، إنسان عاش أربعين سنة ما جرب الناس عليه خيانة قط، مثل هذا الإنسان يصدق إذا قال، طبعًا أبو جهل ما توقع هذا الموقف الهادئ، ولا هذا التصديق، هو يظن أنه سيلقي على أذني أبي بكر خبرًا صاعقًا, يظن أنه سيفصم عرا المودة بينه وبين النبي، وإذ بهذا الصديق يصدق النبي عليه الصلاة والسلام، إن قال هذا: فقد صدق.