الصفحة 206 من 371

سيدنا طلحة كان غائبًا عن المدينة، فاجتمع بقية الأصحاب الذين وضع فيهم عمر هذه المسؤولية، واقترح عليهم عبد الرحمن بن عوف أن يخلع أحدهم نفسه، ويتنازل عن حقِّه في الترشيح، ليكون صوته مرجِّحًا إذا قام خلاف، هم ستة فإذا عزل أحدهم نفسه، أي خلع نفسه بقي منهم خمسة، هذا أول اقتراح، وبادر فخلع نفسه، ثم تنازل الزبير عن حقِّه لعلي، وتنازل سعد بن أبي وقَّاص عن الترشيح، وهكذا انحصر الاختيار بين عثمان وعلي فقط، وفُوِّض عبد الرحمن بن عوف في اختيار أحدهم، وكان على ابن عوف أن ينجز هذه المهمة في الأيام الثلاثة التي أوصاهم الخليفة الراحل ألا يجاوزوها، وكان عليه خلال هذه المهلة القصيرة أن يجري شورى واسعة واستفتاءً عميمًا بين أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام جميعًا، وهكذا راح يذرع المدينة ويقرع أبواب دورها، يقول ابن كثير: نهض عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يستشير الناس ويجمع رأي المسلمين عامَّتهم وقادتهم، جميعًا وأشتاتًا، مثنى وفرادى، سرًَّا وجهرًا حتى خَلَصَ إلى النساء المحجَّبات في بيوتهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل الركبان الوافدين على المدينة، أيْ قام باستشارة واسعة جدًا، تنفيذًا لقول الله عزَّ وجل:

{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}

(سورة الشورى الآية: 38)

ثم أرسل ابنُ عوف في طلب عثمان وعلي، فقدما عليه، فأقبل عليهما, وقال لهما: إني سألت الناس عنكما فلم أجد أحدًا يعدل بكما أحدًا"، يعني أنتما في قمة السمعة الطيِّبة، أنتما في قمة الأهلية، ثم أخذ العهد على كلٍ منهما لئن ولاَّه ليعْدلن، ولئن وُلِّي عليه ليسمعنَّ وليطيعن، إن تولَّيت فاعدل، وإن ولي غيرك فأطعْ واستمع، فهُم حقًّا رجال، حينما نظر إليهم النبي عليه الصلاة والسلام في ساعاته الأخيرة، نظر إلى أصحابه، وهم يصلُّون في المسجد, فقال هذه المقولة الشهيرة:"علماء حكماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء"."

(ورد في الأثر)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت