الصفحة 162 من 371

فما رضي لهم هذا الوضع، وتلك الزينة، وهذا الترف، وهذه الصحة، لأنه أرسل مرةً إلى أحد الولاة، وقال له: أما بعد, فقد فشت لك فاشية، احذر يا عبد الله أن تكون كالدابة، مرت بوادٍ خصب، فجعلت همَّها في السمن، وفي السمن حتفها.

رأفته بالقوارير:

ويلتقي ذات ليلةٍ بسيدةٍ تسير وحدها في المدينة، حاملةً قربةً كبيرةً، فيقترب منها، ويسألها عن أمرها، فيعلم أنها ذات عيال، وليس لها خادم، وأنها تنتظر حينما يرخي الليل أستاره، فتخرج لتملأ قربتها ماءً، فيأخذ منها القربة، ويحملها عنها، وهي لا تعرف من هو؟ حتى إذا بلغ دارها، قال وهو يناولها قربة الماء: إذا أصبح صباح غد فاقصدي عمر يرتِّب لكِ خادمًا، قالت: إن عمر كثير شغله، وأين أجده؟ قال: اغدِي عليه، وسوف تجدينه إن شاء الله تعالى، وتعمل بمشورة الرجل الطيب، لكنها لا تكاد تذهب إلى عمر وتقف بين يديه حتى تصيح مبهورةً: أأنت هو إذًا؟ ويضحك أمير المؤمنين، ثم يأمر لها بخادمٍ ونفقةٍ.

أيها الأخوة الكرام, أحيانًا الإنسان يفعل مثلَ هذا، يفعل هذا استعراضًا، يفعل هذا تمثيلًا، يفعل هذا لينتزع إعجاب الناس، لكن هذا الخليفة العظيم حينما فعل هذه المواقف المتواضعة كان يحرص فيها على طاعة الله عزَّ وجل، وعلى خدمة الخلق، أليس هو القائل مرةً لأحد الولاة: ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارقٍ أو ناهب؟ فقال هذا الوالي وفق السنة والشريعة: أقطع يده، قال عمر: إذًا فإن جاءني من رعيتك من هو جائعٌ أو عاطل فسأقطع يدك، قال له: يا هذا إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسُدَّ جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملًا التمست في المعصية أعمالًا، فاشغلها في الطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية.

وبعد ألف سنة أو أكثر كتبت حقوق الإنسان، ومن هذه الحقوق حق العمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت