الصفحة 138 من 371

هكذا كان التوجيه، كلامٌ مختصر من دون تعليل لحكمة رآها النبي عليه الصلاة والسلام، فَمَنْ عمُّه العبّاس؟ عمه العباس مقيم في مكة مع المشركين، لكنه كان مسلمًا سرًا، وإسلامه في تكتُّمٍ شديد، لأن عمه العباس كان عين النبي في قريش، فما من اجتماعٍ يجتمعونه، وما من أمرٍ خطير يتداولونه، وما من قرار يتخذونه إلا وكان العباس رضي الله عنه يبلّغه ابن أخيه محمدًا صلّى الله عليه وسلَّم؟ لذلك فالنبي لم يفاجأ أبدًا في علاقته مع قريش، ما من شيءٍ فعلته قريش إلا كان عند النبي عليه الصلاة والسلام خبره؟

هذا الخبر لا بدَّ أن يصل إلى قريش، فالنبي إذا لم يقل هذا الكلام لقتل أصحابُه عمَّه العباس ظلمًا، وهو مسلم، ولو أن عمه العباس أبى الخروج مع المشركين في بدر, ماذا يحصل؟ لا نكشف أمره، فالموقف عصيب ودقيق، فلذلك النبي قال:"لا تقتلوا عمي العباس"

(ورد في الأثر)

صحابي ضعيف أخذ هذا النص، وقال: نحن نقتل آباءنا وأبناءنا وأخواننا، وينهانا عن قتل عمه، رآها عصبية، ولكن هذا الصحابي بعد أن كشفت الحقيقة، وعرف نزاهة النبي ومراده النبيل، وعرف إسلام عمه العباس، وكيف كان عينًا للنبي على قريش؟ وكيف أنه كان في أعلى درجات الذكاء والحكمة والحيطة والحذر؟ يقول هذا الصحابي: إنه بقي عشر سنواتٍ يتصدَّق، ويجاهد نفسه وهواه، ويعتق العبيد، لعلَّ الله يغفر له سوء ظنِّه بالنبي عليه الصلاة والسلام، مقام النبوة مقامٌ رفيعٌ جدًا، فمستحيل أن ينحاز النبي إلى أهله، وإلى بني جلدته، فالنبي رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو معصوم.

فسيدنا عمر عزل سيدنا خالد, لحكمة رائعة رآها إنقاذًا للتوحيد، ومع ذلك لما اعترض هذا الرجل، ولم يبالي باعتراضه، وقال: أنت غضبت من أجل ابن عمك، ولا ضير عليك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت