سيدنا إبراهيم لا أقول: هو الذي أنشأها، أما أول بيت وضع للناس قاطبةً هي الكعبة، لذلك الكعبة مكان مقدس حتى في الجاهلية, فلما أرادوا إعادة بناءها اختلفت القبائل في موضوع الحجر الأسود من يحمله, ويضعه في مكانه الصحيح، ولا يغيب عن أذهانكم أن العرب في الجاهلية كانت تنشب بينهم الحروب الطاحنة التي تدوم عشرات السنين من أجل عمل تافه، ذات مرة رجل في سوق عكاظ مد رجله، وقال: مَن كان أشرف مني فليضربها، فقام إنسان وضربها، يعني قطعها، فنشأت حرب طحنت الناس عشر سنين، هنا قضية كبيرة جدًا، الخلاف بين بطون قريش قد ذر قرنه، وأمية بن المغيرة، أكبر قريش حكمة وسنًا، يشير على الناس أن يحكِّموا أول قادم، وعليهم أن يرتضوا حكمه، سيدنا الصديق يذكر من الذي كان أول قادم؟ قال: كان محمد الأمين عليه الصلاة والسلام هو أول من قدم على هؤلاء, وهم في زحمة خلافاتهم، قالوا: هذا الأمين محمد، نعم الحكم هو، فالنبي عليه الصلاة والسلام لو أن الناس الذين عاشوا معه وعاصروه، والله لو أنهم رأوا في سلوكه, وفي تعامله مأخذًا يسيرًا لصرحوا به بعد البعثة، لكن هؤلاء ما رأوا منه إلا عفة، وطهرًا، واستقامة، وأمانة، وهكذا يجب أن يكون المؤمن, وكان الصديق يقول: نعم الحكم محمد عليه الصلاة والسلام، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان فتى شابًا، فلما رآهم مختلفين ومحتدمين وعلى وشك أن تقع فتنة بينهم عمياء، قال: هلمّوا إليّ ثوبًا، فجاؤوا بثوب، فوضع الحجر به, ونادى لتأخذ كل قبيلة بطرف من الثوب ثم ارفعوه جميعًا، فاستجابوا له حتى اقترب الحجر من موضعه فأخذهُ محمد صلى الله عليه وسلم بيده، ووضعه مكانه، قال: وانتهت هذه الفتنة أسعد نهاية، فكان من الممكن أن تنذر بشر وبيل.