الصفحة 11 من 371

الذين عطلوا عقولهم, واتبعوا أهواءهم، هؤلاء لا يعرفون أين هم من الحياة، أفي المقدمة، أم في المؤخرة، أم على هامش الحياة؟ أنا أذكر بيتًا من الشِّعر هو أهجى بيت قالته العرب، ودخل الشاعر من أجله السجن في عهد عمر رضي الله عنه، وهو قول الحطيئة:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

هذا البيت ربما صار في زمن الجاهلية الثانية شعار كل إنسان، بما أن دخلك كبير، وبيتك مريح، تجارتك رابحة، أولادك في عافية تامة، ما لك وللحق، ما لك ولهذه الأمور المتعبة؟ الناس ينصحون بعضهم بعضًا، اجلسْ في بيتك أفضل لك، إذا طلب رجل العلم، وأحب أن يعرف دينه، أحب أن يكون مع جماعة صادقة طاهرة يجد عشرات الأشخاص يحذِرونه، ويقولون له: دعك من هذا، هذا الذي يعد أهجى بيت قالته العرب، هو ديدن الإنسان المعاصر:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

نحن في هذا الفصل نضع أنفسنا في الأجواء التي عاشها الصديق، إنسان عاش في الجاهلية ما شرب الخمر، ولا عبد الصنم، وهؤلاء الذين يقولون: الإنسان ابن بيئته، معطيات قاسية، بيئة فاسدة, هذا الكلام كله باطل.

الإنسان ابن نفسه:

ذات مرة قال لنا أستاذ في الجامعة: يقولون عن إنسان إنه ابن وراثته، فقال: صحيح، الإنسان ابن محيطه، صحيح، الإنسان ابن أمه وأبيه صحيح، تكلم عشرات العبارات, ولكنه بعد هذا قال: ولكن الأصح من ذلك أن الإنسان ابن نفسه, المعنى أن الإنسان يختار أحيانًا، فمثلًا في بيت كله فسق وفجور يتواجد إنسان صالح، هذا الشاب الصالح الذي نشأ في بيئة فاسدة حجة على من يدعي أن الإنسان ابن بيئته، تجد أحيانًا ابنًا في بيت مال لا في بيت علم، لكنه يطلب العلم، أيضًا هذا الشاب حجة على من يعتقد أن الإنسان ابن محيطه، أنت ابن نفسك يعني لك استقلالية, ولك اختيارك, قال تعالى:

{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت