إحداهما أنها في نفسها توجب لذة قوية ينغمر معها العقل
الثانية أنها تحرك النفس إلى نحو محبوبها وجهته كائنا ما كان فيحصل بتلك الحركة والشوق والطلب مع التخيل للمحبوب وإحضاره في النفس وإدناء صورته إلى القلب واستيلائها على الفكر لذة عظيمة تقهر العقل فتجتمع لذة الألحان ولذة الأشجان فتسكر الروح سكرا عجيبا أقوى وألذ من سكر الشراب وتحصل به نشوة ألذ من نشوة الشراب
ومن ههنا استشهد الشيخ على السكر بقول موسى عليه السلام لما سمع كلام الرب جل جلاله رب أرني أنظر إليك وقد ذكر الإمام أحمد وغيره أن الله سبحانه وتعالى يقول يوم القيامة لداود مجدني بذلك الصوت الذي كنت تمجدني به في الدنيا فيقول يا رب كيف وقد أذهبته المعصية فيقول الله تعالى أنا أرده عليك فيقوم عند ساق العرش فيمجده فإذا سمع أهل الجنة صوته استفرغ نعيم أهل الجنة وأعظم من ذلك إذا سمعوا كلام الرب جل جلاله وخطابه لهم منه إليهم بلا واسطة وقد ذكر عبد الله بن أحمد في كتاب السنة أثرا في ذلك كأن الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن إذا سمعوه من الرحمن جل جلاله
فإذا انضاف إلى ذلك رؤيتهم وجهه الكريم الذي تغنيهم لذة رؤيته عن الجنة ونعيمها فأمر لا تدركه العبارة ولا قليلا من كثير فهذا صوت لا يلج كل أذن وصيب لا تحيا به كل أرض وعين لا يشرب منها كل وارد وسماع لا يطرب عليه كل سامع ومائدة لا يجلس عليها طفيلي
فلنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول
السكر سببه اللذة القاهرة للعقل وسبب اللذة إدراك المحبوب فإذا كانت المحبة قوية وإدراك المحبوب قويا كانت اللذة بإدراكه تابعة لقوة هذين الأمرين فإذا كان العقل قويا مستحكما لم يتغير لذلك وإن كان ضعيفا