الصفحة 8 من 32

وقال: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بطريق يمنع منه ابن السبيل .. » [1] زاد في رواية «يقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك» [2]

فدلت هذه الأحاديث على استحقاق الناس كلهم للماء الذي هو مادة الحياة، كما قال الله تعالى: - وجعلنا من الماء كل شيء حي - لأن الإنسان قد يستغني عن الطعام أياما وليالي، لكنه لا يستغني عن الشراب يوما واحدا، ولأمر ما جعله الله تعالى ثلاثة أضعاف اليابسة؛ لافتقار كل الكائنات إليه، غير أن من يحوزه يكون مالكا له، ومع ذلك يتعين بذل ما فضل عن حاجته لنفسه أو دابته بعوض إن لم يجد بالعفو، فإنه لا يضار ببذله مجانا؛ احتراما لخصوصية الملك، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه، قالوا: وإن كان شيئا قليلا؟ قال: وإن كان قضيبا من أراك". [3]

وحق المرور ثابت لصاحب البستان, أو الثمر في البستان، أو صاحب الدار أو ساكنه .. حيث لا يتوصل إلى استيفاء حقه إلا به، وقد ترجم البخاري في المساقات من صحيحه عن هذا الحق بقوله: باب الرجل يكون له ممر أو شِرب في حائط أو نخل [4]

ومعلوم أن فقه البخاري في تراجمه، وقد علق عليه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بقوله: هذا كله من كلام المصنف استنبطه من الأحاديث المذكورة في الباب [5] ثم نقل عن ابن المنيِّر قوله: وجه دخول هذه الترجمة في الفقه؛ التنبيه على إمكان اجتماع الحقوق في العين الواحدة، هذا له الملك، وهذا له الانتفاع، قال: وهو مأخوذ من استحقاق البائع الثمرة دون الأصل فيكون له حق الاستطراق لاقتطافها في أرض مملوكة لغيره [6] ..

وهذا ما نصت عليه مجلة الأحكام العدلية في المادة رقم 1225 ونصها: إذا كان لواحد حق المرور في عرصة آخر فليس لصاحب العرصة أن يمنعه من المرور والعبور.

(1) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور، باب اليمين بعد العصر برقم 2527.

(2) أخرجه البخاري في المساقات، باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائة برقم 2240.

(3) أخرجه أحمد في المسند 5/ 72 والبيهقي في الكبرى 6/ 100 من حديث أبي حرَّة الرقاش عن عمًّه رضي الله تعالى عنه

(4) صحيح البخاري 3/ 112.

(5) وهو حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع الا أن يشترط المبتاع .. وحديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم رخص أن تباع العرايا بخرصها ثمرًا، وحديث أبي هربرة ورافع بن خديج رضي الله تعالى عنهما في العرايا وغيرها.

(6) فتح الباري 5/ 50، ونحوه في عمدة القاري للعيني 12/ 222.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت