الصفحة 17 من 32

صاحب البئر الأولى، حفر البئر التي سدت من أجله من ماله؛ لأنه تسبب بسدها من غير حق [1] وهذا لعمرو الله عدل مع منعهم صاحب الأرض الانتفاع بأرضه.

أما السادة الشافعية فقد أعطوا الحق كله لصاحب الأرض ليتصرف في أرضه كما يشاء فيما جرت به العادة، وإن تضرر به جاره، قالوا: فلا يمنع مِن حفر بئرِِ في ملكه ينقص ماء بئر جاره؛ لتصرفه في ملكه، فيتصرف في ملكه على العادة في التصرف وإن تضرر به جاره، أو أفضى إلى إتلاف ماله، كأن سقط بسبب حفره المعتاد جدار جاره، قالوا: لأن المنع من ذلك ضرر لا جابر له، ولا ضرر ولا ضرار، فإن تعدى في تصرفه بملكه ضمن. [2]

وقد أراد الشافعية التوسط في إعطاء صاحب الحق التصرف بماله، لأن منعه من ذلك إلحاق ضرر به من غير وجه حق، مادام أنه يتصرف تصرفا عاديا، وإلا لأفضى ذلك إلى الحجر على الناس من التصرف بأموالهم خشية الضرر بالغير، هذا إذا كان يتصرف في ملكه أما لو كان الحفر في موات فليس له ذلك، لأن الحفر في الموات ابتداء تملك، فلا يمكن منه إذا تضرر به الغير [3]

وقد نحوا في هذا نحو السادة الأحناف الذين صرحوا بأنه لو حفر الثاني بئرا في منتهى حريم البئر الأولى - وهو أربعون ذراعا كما تقدم- وتحول إلى الثانية فلا شيء عليه، قالوا لأنه غير متعد، والماء تحت الأرض لا يملك، فلا مخاصمة، كمن بنى حانوتا بجانب حانوت غيره فكسدت الحانوت الأولى بسببه، فإنه لا شيء عليه [4]

ولعل ما ذهب إليه السادة الأحناف والشافعية هو الصواب؛ إ عمالا لقاعدة: الضرر لا يزال بالضرر، فمحافظتنا على صاحب البئر القديمة لا يكون على حساب صاحب الأرض، فليس ذلك بأولى في النفع من هذا، وإذا تزاحمت الحقوق وجب العدل بين الجيران بما لا وكس فيه ولا شطط، وهو ما قرره السادة الشافعية والأحناف، من أنه ينتفع بأرضه على العادة بحيث لا يلحق الضرر بجاره.

(1) كشاف القناع للبهوتي 3/ 409

(2) النهاية للرملي 5/ 336 - 337

(3) مغني المحتاج للخطيب الشربيني 2/ 364

(4) رد المحتار لابن عابدين الشامي 10/ 9 والهداية للمرغيناني 4/ 385 - 386

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت