فقد ذهب السادة الأحناف إلى منع ذلك من غير خلاف عندهم، حيث نصوا على أن بيع حق التعلي لا يجوز باتفاق الروايات- أي في المذهب- قالوا: لأنه ليس حقا متعلقا بما هو مال، بل بالهواء وإن كان على الأرض [1] قال ابن عابدين: وإذا كان السفل لرجل وعلوه لآخر فسقطا أو سقط العلو وحده فباع صاحب العلو علوه لم يجز؛ لأن المبيع حينئذ ليس إلا حق التعلي، وحق التعلي ليس بمال، لأن المال عين يمكن إحرازها وإمساكها، ولا هو حق متعلق بالمال، بل هو حق متعلق بالهواء، وليس الهواء مالا يباع، والمبيع لا بد أن يكون أحدهما. بخلاف الشرب حيث يجوز بيعه تبعا للأرض، فلو باعه قبل سقوطه جاز فإن سقط قبل القبض بطل البيع لهلاك المبيع قبل القبض.
والحاصل أن بيع العلو صحيح قبل سقوطه لا بعده؛ لأن بيعه بعد سقوطه بيع لحق التعلي وهو ليس بمال، ولذا عبر في الكنز بقوله: وعلو سقط [2]
وقد سئل أبو حنيفة رحمه الله تعالى عن الرجل يكون له البيت العلو فينهدم, فيقول له الرجل: بعني علوك، فباعه، لم يجز، وإن كان العلو باقيًا جاز، قال: لأن في الوجه الأول باع الهواء، وفي الوجه الثاني باع ما بقي من العلو وإن قل [3]
وأيدهم في ذلك ابن حزم الظاهري رحمه الله تعالى فقال: مسألة: ولا يحل بيع الهواء أصلا كمن باع ما على سقفه وجدرانه على ذلك فهذا باطل مردود أبدا؛ لأن الهواء لا يستقر فيضبط بملك أبدا، إنما هو متموج يمضي منه شيء ويأتي آخر أبدا، فكان يكون بيعه أكل مال بالباطل؛ لأنه باع ما لا يملك ولا يقدر على إمساكه، فهو بيع غرر وبيع ما لا يملك
(1) رد المحتار لابن عابدين الشامي 7/ 276
(2) حاشية رد المحتار 5/ 25
(3) كتاب الحيطان ص: 129.