وبيع مجهول. ثم ناقش ما قد يرد على ما قرره من عدم الجواز وذلك بدفع الإيرادات عليه فقال:
فإن قيل: إنما بيع المكان لا الهواء؟
قلنا: ليس هناك مكان أصلا غير الهواء، فلو كان ما قلتم لكان لم يبع شيئا أصلا؛ لأنه عدم فهو أكل مال بالباطل حقا.
فإن قيل: إنما باع سطح سقفه وجدرانه؟
قلنا: هذا باطل هو أيضا شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل؛ لأنه شرط له أن يهدم شيئا من سقفه ولا من رؤوس جدرانه، وهذا شرط لم يأت النص بإباحته فهو باطل حرام مفسوخ أبدا. وقد روينا هذا القول عن الشافعي وقد ذكرناه في كتاب القسمة وإنه لا يحل ألبتة أن يملك أحد شيئا ويملك غيره العلو الذي عليه ومن باع سقفه فقط فحلال، ويؤخذ المشتري بإزالة ما اشترى عن مكان ملكه لغيره [1]
ولا ريب أن هذا القول يصطدم مع واقع الحياة، حيث إن بيع الهواء أصبح عمود المدنية الحديثة في مجال الإنشاء، ومستنده ما ذهب إليه الجمهور من الجواز، فقد نص المالكية على جوازه متى كان المبيع قدرا معينا كعشرة أذرع مثلا من محل هواء فوق محل متصل بأرض أو بناء، بأن كان لشخص أرض خالية من البناء أراد البناء بها، أو كان له بناء أراد البناء عليه، فيشتري شخص منه قدرا معينا من الفراغ الذي يكون فوق البناء الذي أراد إحداثه [2]
ونص السادة الشافعية على جواز بيع حق البناء أو العلو للبناء عليه بثمن معلوم [3]
وأجازه كذلك السادة الحنابلة ولو كان قبل بناء البيت الذي اشترى علوه إذا وصف العلو والسفل ليكونا معلومين ليبني المشتري أو يضع عليه بنيانا أو خشبا موصوفين، قالوا: لأن العلو ملك للبائع فكان له بيعه والاعتياض عنه كالقرار [4]
(1) المحلى 7/ 506 - 507 المسألة رقم 1522
(2) التاج والإكليل مع مواهب الجليل 4/ 322 والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي عليه 3/ 14
(3) أسنى المطالب شرح روض الطالب لزكريا الأنصاري 2/ 255 والمنهاج للإمام النووي 2/ 136 بتحقيق الباحث
(4) مطلب أولي النهى 3/ 350 وانظر الموسوعة الفقهية الكويتية 12/ 293