رابعًا: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إياكم والوصال. قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله. قال: إنكم لستم في ذلك مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون" [1] .
وجه الدلالة: دل الحديث على حرمة صيام الوصال، والوصال معناه متابعة الصيام ليلًا ونهارًا دون طعام أو شراب، وإنما جاء النهي عنه مع أنه عبادة يتقرب بها إلى الله لكي يدفع الإنسان عن نفسه المشقة، ولا يضعف بدنه ويعذب نفسه ويؤذيها، وفي الإضراب عن الطعام كل هذه المعاني.
خامسًا: في الإضراب عن الطعام ارتكاب مفسدة كبرى وهي قتل النفس أو تعذيبها من أجل إزالة مفسدة أخرى لا تدانيها ولا تقاربها، وقد اتفق العقلاء أن المنكر لا يزال بأكبر منه، وكونها وسيلة مؤثرة فهذا أمر مظنون، واليقين أن في ارتكابها الوقوع في مفاسد عدة، واليقين لا يزول بالمظنون والمشكوك، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح.
وبناء على ما تقدم في رأي هذا الفريق لا يجوز الإضراب لأنه تعذيب للنفس، وإلقاء بها إلى التهلكة، وإن مات المضرِب عن الطعام فهو منتحر قاتل لنفسه، وقد صح في الأحاديث النبوية أن جزاء قاتل نفسه نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها.
الرأي الثاني: أفتي أصحاب هذا الرأي بمشروعية الإضراب عن الطعام طالما أنه هو السلاح الأخير في أيدي هؤلاء الأسرى، ما داموا يرون أنه الوسيلة الفعالة والأكثر تأثيرًا لدى الآسرين، وأنه الأسلوب الذي يغيظ الاحتلال وأهله، فكل ما يغيظ الكفار فهو ممدوح شرعا، كما قال تعالى في مدح الصحابة:"يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار" (سورة الفتح: 29) . وقال في شأن المجاهدين:"ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلًا إلا كتب لهم به عمل صالح". (التوبة: 120) فهم يعبرون فيه عن رأيهم، ويلفتون أنظار المجتمع الدولي إليهم، وبينوا أن هؤلاء المناضلين أصحاب قضية عادلة، والإضراب حق معترف به عالميًّا لفضح الجرائم وكشف الظلم الذي يقع عليهم، كما أفتوا بأنه يجوز للسجناء ولو في بلادنا الإسلامية، استخدام أسلوب الإضراب المفتوح عن الطعام إذا كانوا يتعرّضون لانتهاكات تطال حقوقهم الإنسانية طالما أن هذا الأسلوب هو الوحيد الذي يمكن أن يؤدي إلى نتيجة في هذا العصر، وحتى إذا لم يؤدِّ إلى نتيجة إيجابية بحقّ
(1) رواه مسلم 2/ 774 برقم 1103 كتاب الصيام باب النهي عن الوصال في الصيام.