تحرير محل النزاع وبيان سبب الخلاف:
-لا خلاف بين الفقهاء المعاصرين على تحريم الإضراب عن الطعام إذا كان بقصد الانتحار، أو بقصد الاحتجاج على أمر من غير الضرورات الخمس (الدين والنفس والعقل والعرض والمال) ؛ لإمكان الصبر على الحاجيات والتحسينيات دون الضروريات.
-كما أنه لا خلاف بين الفقهاء على مشروعية الإضراب عن الطعام مدة لا يهلك مثله فيها.
-وقد اختلف الفقهاء المعاصرون بعد ذلك في حكم الإضراب عن الطعام لغير المضطر مدة قد يهلك مثله فيها ليس بقصد الانتحار وإنما بقصد تحقيق مصلحة، وهي وسيلة من وسائل التعبير عن الرأي وعادة ما يلجأ إليها المعتقلون والمسجونون والمأسورون عند وقوع الظلم عليهم أو عند تعذيبهم أو حرمانهم من حقوقهم من أجل فضح الظلم والتشهير به وتعريته أمام الرأي المحلي والعالمي وهذه هي المسألة الأهم في هذا البحث.
ويرجع سبب الخلاف في المسألة إلى أمور ثلاثة:
(1) مشابهة الإضراب عن الطعام لاستنفاذ النفس بالانتحار.
(2) استحداث وسيلة الإضراب عن الطعام للاحتجاج على الظلم بغير سوابق شرعية، مما يجعلها تشبهًا بغير المسلمين.
(3) معارضة الإضراب عن الطعام للنهي عن الوصال في الصوم.
اتجاهات الفقهاء في القضية:
اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم الإضراب عن الطعام احتجاجًا على حبس مصالح لهم بقصد تحصيلها على اتجاهين رئيسين كما يلي:
الرأي الأول: ذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الإضراب عن الطعام محرم شرعًا، ولا يجوز الإضراب عن الطعام أو الشراب لتحقيق غرض من الأغراض، فهو وسيلة سلبية يجب ألا يأخذ بها أحد، والوسائل المشروعة كثيرة، ومن سلك هذا المسلك فقد أضرَّ نفسه بالجوع والعطش في غير طاعة، ومن مات بهذا الإضراب يكون مُنْتَحِرًا، والانتحار من كبائر الذنوب، فإن استحلَّه كان كافرًا، لا يُغَسَّل ولا يُصَلَّى عليه ولا يُدْفٍن في مقابر المسلمين، ويأتي على رأس هذا الفريق فضيلة الشيخ عطية صقر [1] ، والأستاذ الدكتور
(1) رئيس لجنة الإفتاء بالأزهر سابقًا وعضو بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية: فتاوى دار الإفتاء المصرية 10/ 149.