ويستحيل أن يكون في ذلك دليل يحتمل التأويل، لأنه لو كان ذلك لوجب بمستقر العادة أن ينزع كل مخالف إلى الظاهر الذي تعلق به، ويبين احتجاجه منه، ولا يحتج بالرأي والقياس؛ لأن المستدل والمحتج إنما يحتج بما ثبت عنده به الحكم، ولا يعدل عند المناظرةِ وقصدِ إثبات الحق إلى ما ليس بدليل ولا حجة عنده ولا عند خصمه.
ولما رأينا كل واحد منهم احتج في ذلك بالرأي والقياس دون منكر ولا مخالف، علمنا إجماعهم على القول بصحة القياس والرأي.
ومما يدل على ذلك إجماع الصحابة على أحكام كثيرة من جهة القياس والرأي، كإجماعهم على إمامة أبي بكر بالقياس والرأي، وإجماعهم على إمامة عثمان رضي الله عنه، وغير ذلك مما أجمعوا عليه.
ومن ذلك خبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ ذهب إلى الشام بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ سرغ بلغه أن الوباء وقع بها، فاستشار المهاجرين الأولين، فاختلفوا عليه، فمنهم من قال له: أرى ألا تفر من قدر الله، ومنهم من قال: لا تقدم ببقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الوباء، ثم دعا الأنصار فاختلفوا كاختلاف