رحمة الله
هو الإمام العالم الرباني، الذي جدد الله به ما اندرس من معالم الدين القويم، فأحيى به السنة وأمات البدعة، ومحا به ما انتشر في بلاد المسلمين من الشرك والضلالة، دعا إلى الله على نور وبصيرة وعلم، دعا الناس إلى أول دعوة الأنبياء إلى أممهم، إلى التوحيد الخالص الذي لا يقبل الله سواه، إلى فهم معنى لا إله إلا الله وتحقيقها اعتقادا وقولا وعملا، فلا معبود بحق إلا الله، وأبدى في ذلك الأمر وأعاد، لمخالفة الناس للتوحيد، وملابستهم للشرك بصرف أنواع من العبادات لله ولغيره من الأموات، فخطب وحاضر، وراسل وألف، وحذر الخاص والعام، والقريب والبعيد، وتحمل لهذا الأمر العظيم والخطب الجسيم، الذي ضل فيه كثير من المسلمين، التكذيب والتجهيل، والعداوة والقتال من القريب والبعيد، حتى تحقق بفضل الله وكرمه وعلى يد من أختار وأكرم من عباده، تحقيق أصل الدين بإفراد الله وحده بالعبادة، ونفيها عن كل ما سواه.
وتبع ذلك إقامة سائر شعائر الإسلام، من الصلاة والزكاة وبقية الأركان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى شابه حال الناس ما كان عليه السلف الأول من الصحابة والتابعين.
وهذا تعريف بالإمام مجموعٌ من كُتب ابن غنام، وابن بشر وعبد الرحمن بن عبد اللطيف، ورسالة للشيخ عبد الرحمن بن حسن، مع تصرف وزيادات.
هو الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي المشرفي نسبة إلى جده مشرف، الوهيبي نسبة إلى وهيب، والوهبة بطن من حنظلة، وحنظلة بيت من بيوت تميم الأربعة.
ولد الإمام محمد سنة خمس عشر ومائة وألف من الهجرة في بلدة العيينة من أرض نجد إلى الشمال الغربي من الرياض اليوم، في بيت علم ودين، فأبوه الشيخ عبد الوهاب من علماء نجد وقضاتها، وجده الشيخ سليمان بن علي مفتى نجد، وأشهر علمائها وقضاتها، انتهت له الرئاسة العلمية في نجد، وضُربت له آباط الإبل، يرجع إليه علماء نجد في الغوامض، صنف كتابا في المناسك، وذُكر أنه صنفا شرحا للمنتهى، فلما طالع شرح الشيخ منصور البهوتي له، قال وجدته موافقا لما أردت أن أكتب إلا ثلاثة مواضع، وأتلف شرحه، وصنف المنسك المشهور به.
وقد انتقل الشيخ سليمان من أشيقر التي هي مقر الوهبة إلى روضة سدير قاضيا لها، فاختلف مع أعيانها فأنتقل منها إلى بلدة العيينة، وتولى قضائها، حتى مات فخلفة أبنه الشيخ عبد الوهاب في القضاء، وولد له فيها الإمام محمد، فنشأ وشب بالعيينة نشأة علمية دينية على يد والده، حتى حفظ القرآن في العاشرة من عمره، وبدت عليه علامات النجابة والصلاح، فقدمه أبوه لإمامة الصلاة.
وما إن اشتد عوده، حتى شد رحله حاجا لبيت الله الحرام، ولم يذكر المؤرخون سنة حجه هذه فلما أتم نسكه وقضى تفثه، أقبل على علماء البيت الحرام، فسمع وسأل واستفاد، ثم توجه إلى المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وأقام فيها قريبا من شهر، وقال ابن بسام أقام شهرين، ثم عاد إلى بلده العيينة وتزوج، وقرأ على والده فقه الحنابلة, ثم رحل أخرى إلى الحجاز، وأقام مدة يتردد على علمائها، ويأخذ منهم فنون العلم المختلفة، من عقيدة وفقه وتفسير وحديث ولغة وأصول.