الصفحة 9 من 81

وكان من أشهر من أخذ عنهم العلم فيها، الشيخ المحدث محمد حياة سندي، صاحب الحاشية على صحيح البخاري، ويُروى أن شيخه السندي سأله حين رآه ينظر إلى العامة وهم يتوسلون ويسألون ويدعون النبي صلى الله عليه وسلم عند الحجرة النبوية ما تقول في هؤلاء، فقال متحسرا مشفقا عليهم، هؤلاء قوم ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وقد أجاز الشيخ السندي الإمام بمروياته وأفاده من علومه، ومن خاصة من قرأ الشيخ عليهم الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي أصلا والمدني موطنا، أخذ عنه مسلسل الحنابلة بالأولية، وقرأ عليه وأخذ منه، وكان كثيرا ما يزوره في مزرعته خارج المدينة.

ورجع الإمام إلى وطنه، وأقام بها سنة كما ذكره صاحب كتاب مشاهير نجد، ثم رحل إلى البصرة فقرأ على علمائها واستفاد منهم علوما ولازم الشيخ محمد المجموعي البصري، وطالت إقامته بها وكتب الحديث والفقه واللغة، ومنها بدأ بالدعوة إلى التوحيد، فكان كثيرا ما يقول الدعوة كلها لله، لا يجوز صرف شئ منها إلى سواه، وينكر على الناس دعاء الصالحين، والاستغاثة بهم، واللجوء إليهم في الملمات والمدلهمات، ويبين أن محبتَهم متابعتُهم فيما كانوا عليه من الإخلاص لله في العبادة، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم في أمره ونهيه.

يجادل بذلك بالحكمة والموعظة الحسنة علماء البصرة، وينكر على العامة ويخوف ويحذر، وشيخة المجموعي مستحسن منه دعوته، قابلا راضيا بها، ولكن علماء السوء المنتفعين من هذه المزارات والقبور، حرضت العامة والدهماء، الذين أُشرِبت قلوبُهم هذه الضلالات والشركيات، فأنكروا على الإمام ما يدعوهم إليه من الحق والتوحيد، فآذوه وأخرجوه من البصرة طريدا وحيدا، وقت الهاجرة في يوم صيفٍ حار، فخرج راجلا متوجها تلقاء بلدة الزبير إذ هي أقرب حاضرة للبصرة، وبها كثير من أهل نجد استوطنوها هربا من الحروب والفقر والجوع، فأدركه في طريقه إليها العطش، وأشرف على الهلاك، فأنقذه الله برجل من أهل الزبير يقال له ابن حميدان، فسقاه وحمله على حماره حتى أوصله البلد.

وكان الإمام قد ألف كتابه، الجليل القدر، العظيم النفع، الذي سماه كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، مده إقامته بالبصرة كما قاله حفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وقيل بل ألفه في مدينة حريملاء بعد عودته من البصرة، ثم إن الإمام همَّ بالسفر إلى الشام للأخذ من علماء الحنابلة المشهورين، ومن غيرهم من علماء الإسلام، فقلبه للشام يحن فهي دار شيخ الإسلام ابن تيمية، و تلميذه ابن القيم، وابن كثير، والذهبي، الذين يجلهم ويقتدي بهم، ولكن نفقته قصرت عن مراده فرجع قافلا لبلده مارا وقاصدا للأحساء في طريق عودته، إذ بها جمع من العلماء المعروفين بالعلم والفقه.

فنزل على عالمها الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الأحسائي الشافعي، فأكرمه وجمعه بعلماء الأحساء، ومنهم العالم عبد الله بن فيروز، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وجد عنده من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ما سُرَّ به، وقد أثنى عليه الشيخ لمعرفته بعقيدة الإمام أحمد.

ثم عاد من الأحساء إلى حريملاء بعد أن انتقل والده إليها نتيجة خلافه مع أمير بلدة العيينة محمد بن حمد بن معمر الملقب خرفاش، والذي كان قد تولى إمارة البلد بعد وفاة جده سنة تسع وثلاثين ومائة وألف من الهجرة.

فاستأنف القراءة على والده، وأكب على المطالعة في كتب التفسير والحديث، وكتب الشيخين ابن تيمية وابن القيم، واللذان يعدان بحق من أهم شيوخه، إذ تأثره بهم واضح جلي، ونقله عنهم كثير، وهو يعد من أبرز تلاميذهم إذ نشر علمهم بين الناس وطبقه ودعا إليه، حين وافق ما عندهم ما جاء في كتاب الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت