الصفحة 10 من 81

تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه الصحابة، والسلف الأول من أئمة الدين وأعلامه.

وفي حريملاء بدأ الشيخ دعوته إلى الله تعالى، بتحقيق التوحيد الخالص من الشرك فخشي عليه أبوه، شفقة الوالد لولده، وحجزه عن التوسع في دعوته، وما لبث والده أن توفاه الله سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف من الهجرة، فشمر الإمام عن ساعد الجد والجهاد، مبتدأ بتقرير العقيدة الصحيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى ضاق به وبدعوته أهل الفسق والفجور، ممن كانوا يفسدون في القرية ولا يصلحون، من موالي أمراء حريملاء، الذين ساءهم أمره ونهيه، وتضيقه عليهم ما كانوا يقترفونه من الفجور والتعدي، فتعاقدوا بينهم الفتك به، فتسوروا جدار بيته، فرآهم الناس وصاحوا بهم، فهربوا ونجى الله عبده لما يريده له من الكرامة والتمكين.

بعد هذه الحادثة لم يطمئن الإمام للبلدة فخرج منها قاصدا حاضرة نجد وأكثرها سكانا وعمرانا ذلك الوقت، مدينة العيينة، والتي ولد ونشأ بها، فلما أتاها لاقاه أميرها عثمان بن محمد بن معمر بالحفاوة والتكريم والوعد بالنصر والتأييد.

فنشط الشيخ وتلاميذه في الدعوة والتدريس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكثر الأتباع، وقويت الشوكة، وحصل التمكين لهم في البلد، فأزالوا ما كان يتعلق به من ضل من المسلمين، حتى وقع في الشرك المبين، من أشجار تعظم، وقباب مشيّدة على القبور تُدعى وتُطلب، ولها تشد الرحال، وتنذر النذور، وتقرب القرابين وتذبح.

وهدم القبة المعظّمة على القبر المنسوب للصحابي الجليل زيد بن الخطّاب رضي الله عنه في الجبيلة، قرية تابعة للعيينة، وكان الشيخ رحمه الله هو الذي تولى هدم هذه القبة بيده، وكذلك أمر بالصلاة والزكاة، وأقام الحدود، حتى أتته امرأة تائبة إلى الله مما أذنبت، فاعترفت عنده بالزنا، فأعرض عنها وعرَّض لها, فألحت وأصرت, فلما تكرر منها الاعتراف والإقرار، وهي سليمة العقل والإدراك, أمر بها فرجمت.

ولا يزال أمره في زيادة ورفعه، حتى ذاع صيته في البلاد, وانتشر أمره في القرى والأمصار, وأتاه الأتباع من كل صوب ومكان. حتى سمع بدعوته وأمره حاكم الأحساء الأمير سليمان بن محمد بن عريعر الخالدي, وكان له شوكة وسلطان على جميع أمراء نجد، وخوفه منه ولاة وعلماء السوء, وأغروه به وحذروه منه، فكتب أمير الأحساء إلى عثمان بن معمر يأمره بقتل الإمام أو إخراجه من بلده, وشدّد وهدّد، فاستعظم الأمر عثمان, وآثر الدنيا على الدين، ولم يكن ذا يقين متين, فأمر الشيخ بالخروج من العيينة فخرج منها سنة ثمانية وخمسين ومائة وألف من الهجرة، موليًا وجهه شطر بلده الدرعية القريبة من العيينة, لوجود بعض طلبته بها، فقصد تلميذه الشيخ أحمد بن سويلم، وما أن سمع بقدومه أمير الدرعية الإمام محمد بن سعود، حتى أسرع إليه في منزل مضيفه، مرحبا ومحتفيا, ويقال أن امرأة الأمير أشارت عليه بإكرام الشيخ ونصرته, وقالت هذا خير ساقه الله لك فلا تضيعه، فلمّا تقابل الإمامان في بيت أحمد بن سويلم, عرض الإمام محمد دعوته، وبين ما يدعو الناس إليه، من العودة إلى ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام والقرون المفضلة، وما وقع فيه النّاس من الشرك والبدع والضلال.

فتحقق عند الأمير محمد صدق الشيخ, وصدق دعوته لبيان الحق وظهوره, وقال يا شيخ هذا دين الله ورسوله، الذي لاشك فيه، فأبشر بالنصرة لك ولدعوتك والجهاد لمن خالف التوحيد, وكان الأمير متفائلًا بالنصر والتمكين, فاشترط على الشيخ أن لا يرحل عنهم ويستبدل بهم غيرهم، إذا حصل له التمكين والظهور, وكان عارفًا بالشيخ وبقوته في الحق, فاشترط أن لا يمنعه ما يأخذه من ضريبة على أهل بلده وقت الثمار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت