فأعطاه الشيخ شرطه الأول، ومنعه الثاني، مبشرًا له بأنَّ الله سيعوضه عنه خيرًا كثيرًا, وهذا تفاؤلٌ من الشيخ، وثقة بنصر الله.
فتبايعا على دين الله ورسوله، والجهاد لنشر الدّعوة وإزالة الشرك كله، وإقامة الشرائع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وابتدأ من ذلك الميثاق والعهد تاريخ الدولة السعودية الأولى، التي امتدّ سلطانها على معظم الجزيرة العربية وأطراف الشام والعراق.
بدأ الشيخ يناصح ويعلم ويراسل, وقصده النّاس من العيينة، ومن غيرها من القرى والأمصار، قابلين لدعوته مهاجرين بدينهم معلنين مناصرتهم وتأييدهم للدعوة, وندم عثمان بن معمر على ما فعل، من إخراج الشيخ وتفريطه بالزعامة والرئاسة من خلال هذه الدعوة, فقدم عليه مع رجال من علية قومه، وأرادوه على الرجوع معهم، ووعدوه النّصر والمنعة, فأحالهم الإمام محمد إلى الأمير محمد بن سعود, وقال لا استبدل برجل تلقاني بالقبول غيره إلا أن يختار هو ويأذن, وما كان الأمير ليدع هذا الخير الديني والدنيوي أن يتحول منه لغيره, فرجع عثمان مضمرًا العداوة والشر، مظهرا مناصرة الشيخ والأمير.
وقام الشيخ بالدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك, يدعو الأمراء والعلماء والعامة, وكتب بذلك إلى البلدان, فمنهم من قبل الحق، ومنهم من سخر واستهزأ. كل ذلك وهو يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة, لم يبادر بتكفير أحد بعينه، ولم يبدأ بغزو أحدٍ، أملًا أن يهتدي الناس بالتذكير والوعظ.
ولكن دعوته هذه كانت خطرًا على أهواء كثير من الأمراء وعلماء السوء، في جاههم وسلطانهم ومكانتهم، ولم يستطيعوا رد الحق الذي استدل له الشيخ بالكتاب والسنة, فعمدوا إلى الكذب عليه والافتراء وتقويله مالا يقول, وكفّروه ورموه بالجهل تارة، وبالسّحر تارة، وبكل ما ينفر العامة عنه, وأباحوا دمه ودم أتباعه الموحدين وابتدئوه بذلك, فأمر الشيخ أتباعه بالجهاد وحضّهم عليه ورغّبهم فيه, فامتثلوا لأمره, وكان الأمير يعرف للشيخ فضله وحقه وصدقه, فلا يصدر منه رأي ولا أمر، إلا بأمر الشيخ وتوجيهه, وما زال أمره في ازدياد ودولته في اتساع، وأمر عدوه في نقص واضمحلال وزوال.
و ولَّى الشيخ محمد الإمارة، الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، بعد وفاة أبيه الإمام محمد بن سعود رحمه الله رحمة واسعة عام تسع وسبعين ومائة وألف من الهجرة، والذي كان قائدًا محنكًا للجيوش وتلميذًا للشيخ، معدودًا في العلماء. فما زال يقود الجيوش حتى فتحوا الرياض عام سبع وثمانين ومائة وألف من الهجرة, بعد حرب مع أميرها دهام بن دواس دامت ثمانية وعشرين سنة، انتهت بفزعٍ وهلعٍ أصاب ابن دواس، جعلته يترك بلده هاربًا خائفًا, وبعد الرياض دانت له نجد كلها والأحساء.
وكان الإمام محمد كثير الذكر لله تعالى، كثيرا ما يتلو قوله تعالى {رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين} ، ويتمثل بهذه الأبيات:
لذو نعمة قد أعجزت كل شاكر ... بأيِّ لسانٍ أشكر الله إنه
عليَّ و بالقرآن نور البصائر ... حباني بالإسلام فضلا و نعمة
عليها اعتقادي يوم كشف السرائر ... وبالنعمة العُظمى اعتقاد ابن حنبل
وبعد أن كَبُر سنُه، واطمئنانه لأمور الدعوة والدولة، تخلى عن كثير من أعباء القيادة السياسة للإمام عبد