وَالسَّلَامُ"لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ"وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ أَنْ يَطْلُبَ الْكِتَابَةَ أَوْ يَطْلُبَ بَيْعَهُ مِمَّنْ يُعْتِقُهُ فِي الْكَفَّارَةِ، فَكَمَا لَا يَجِبُ ذَلِكَ فَكَذَا الْكِتَابَةُ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُعَاوَضَاتِ أَجْمَعَ وَهَاهُنَا سُؤَالَانِ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ بِمَالِهِ؟ قُلْنَا إِذَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فَيَجِبُ أَنْ يَجُوزَ كَمَا إِذَا عَتَقَهُ عَلَى مَالٍ يَكْتَسِبُهُ فَيُؤَدِّيهِ أَوْ يُؤَدِّي عَنْهُ صَارَ سَبَبًا لِعِتْقِهِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: هَلْ يَسْتَفِيدُ الْعَبْدُ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ مَا لَا يَمْلِكُهُ لَوْلَا الْكِتَابَةُ؟ قُلْنَا نَعَمْ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ الزَّكَاةَ، وَلَمْ يُكَاتِبْ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا، وَإِذَا صَارَ مُكَاتَبًا حَلَّ لَهُ، وَإِذَا دَفَعَ إِلَى مَوْلَاهُ حَلَّ لَهُ، سَوَاءٌ أَدَّى فَعَتَقَ أَوْ عَجَزَ فَعَادَ إِلَى الرِّقِّ، وَيَسْتَفِيدُ أَيْضًا أَنَّ الْكِتَابَةَ تَبْعَثُهُ عَلَى الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْكَسْبِ، فَلَوْلَاهَا لَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ، وَيَسْتَفِيدُ الْمَوْلَى الثَّوَابَ لِأَنَّهُ إِذَا بَاعَهُ فَلَا ثَوَابَ، وَإِذَا كَاتَبَهُ فَفِيهِ ثَوَابٌ، وَيَسْتَفِيدُ أَيْضًا الْوَلَاءُ لِأَنَّهُ لَوْ عُتِقَ مِنْ قِبَلِ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَاءٌ وَإِذَا عُتِقَ بِالْكِتَابَةِ فَالْوَلَاءُ لَهُ، فَوَرَدَ الشَّرْعُ بِجَوَازِ الْكِتَابَةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْفَوَائِدِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) فَذَكَرُوا فِي الْخَيْرِ وُجُوهًا:
أَحَدُهَا: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"إِنْ عَلِمْتُمْ لَهُمْ حِرْفَةً، فَلَا تَدَعُوهُمْ كَلًّا عَلَى النَّاسِ".
وَثَانِيهَا: قَالَ عَطَاءٌ الْخَيْرُ الْمَالُ وَتَلَا (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) [الْبَقَرَةِ: 180] أَيْ تَرَكَ مَالًا، قَالَ وَبَلَغَنِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.