فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 684

الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا بَالِغًا، فَإِذَا كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا لَا تَصِحُّ كِتَابَتُهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ) وَلَا يُتَصَوَّرُ الِابْتِغَاءُ مِنَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: تَجُوزُ كِتَابَةُ الصَّبِيِّ وَيَقْبَلُ عَنْهُ الْمَوْلَى.

المسألة الْخَامِسَةُ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْلَى مُكَلَّفًا مُطْلَقًا، فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ لَا تَصِحُّ كِتَابَتُهُ كَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: (فَكَاتِبُوهُمْ) خِطَابٌ فَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْعَاقِلِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَصِحُّ كِتَابَةُ الصَّبِيِّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ.

المسألة السَّادِسَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ قَوْلَهُ: (فَكَاتِبُوهُمْ) أَمْرُ إِيجَابٍ أَوْ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ؟ فَقَالَ قَائِلُونَ هُوَ أَمْرُ إِيجَابٍ، فَيَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُكَاتِبَ مَمْلُوكَهُ إِذَا سَأَلَهُ ذَلِكَ بِقِيمَتِهِ أَوْ أَكْثَرَ إِذَا عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا، وَلَوْ كَانَ بِدُونِ قِيمَتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَهَذَا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَعَطَاءٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالْآيَةِ وَالْأَثَرِ. أَمَّا الْآيَةُ فَظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَكَاتِبُوهُمْ) لِأَنَّهُ أَمْرٌ وَهُوَ لِلْإِيجَابِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ، فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي غُلَامٍ لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى يُقَالُ لَهُ صُبَيْحٌ، سَأَلَ مَوْلَاهُ أَنْ يُكَاتِبَهُ فَأَبَى عَلَيْهِ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ، فَكَاتَبَهُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ، وَوَهَبَ لَهُ مِنْهَا عِشْرِينَ دِينَارًا.

وَأَمَّا الْأَثَرُ فَمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ أَنَسًا أَنْ يُكَاتِبَ سِيرِينَ أَبَا مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَأَبَى، فَرَفَعَ عَلَيْهِ الدُّرَّةَ وَضَرَبَهُ وَقَالَ: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) وَحَلَفَ عَلَيْهِ لَيُكَاتِبَنَّهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَاجِبًا لَكَانَ ضَرْبُهُ بِالدُّرَّةِ ظُلْمًا، وَمَا أَنْكَرَ عَلَى عُمَرَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْإِجْمَاعِ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِنَّهُ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت