وَثَالِثُهَا: عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ إِذَا صَلَّى، وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَفَاءً وَصِدْقًا، وَقَالَ الْحَسَنُ صَلَاحًا فِي الدِّينِ.
وَرَابِعُهَا: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْمُرَادُ بِالْخَيْرِ الْأَمَانَةُ وَالْقُوَّةُ عَلَى الْكَسْبِ، لِأَنَّ مَقْصُودَ الْكِتَابَةِ قَلَّمَا يَحْصُلُ إِلَّا بِهِمَا فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَسُوبًا يُحَصِّلُ الْمَالَ وَيَكُونُ أَمِينًا يَصْرِفُهُ فِي نُجُومِهِ وَلَا يُضَيِّعُهُ، فَإِذَا فُقِدَ الشَّرْطَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا لَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَاتِبَهُ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَالِ لِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِذَا قَالُوا فُلَانٌ فِيهِ خَيْرٌ إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الصَّلَاحَ فِي الدِّينِ وَلَوْ أَرَادَ الْمَالَ لَقَالَ: إِنْ عَلِمْتُمْ لَهُمْ خَيْرًا، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: لِفُلَانٍ مَالٌ وَلَا يُقَالُ فِيهِ مَالٌ.
الثَّانِي: أَنَّ الْعَبْدَ لَا مَالَ لَهُ بَلِ الْمَالُ لِسَيِّدِهِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا يَعُودُ عَلَى كِتَابَتِهِ بِالتَّمَامِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- وَهُوَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنَ الْكَسْبِ وَيُوثَقَ بِهِ بِحِفْظِ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا يَعُودُ عَلَى كِتَابَتِهِ بِالتَّمَامِ، وَدَخَلَ فِيهِ تَفْسِيرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَيْرَ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَسَّرَهُ بِالْكَسْبِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي تَفْسِيرِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
أَمَّا قَوْلُهُ: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
المسألة الْأُولَى: اخْتَلَفُوا فِي الْمُخَاطَبِ بِقَوْلِهِ: (وَآتُوهُمْ) عَلَى وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ هُوَ الْمَوْلَى يَحُطُّ عَنْهُ جُزْءًا مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ أَوْ يَدْفَعُ إِلَيْهِ جُزْءًا مِمَّا أُخِذَ مِنْهُ، وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْخِيَارَ لَهُ وَقَالَ: يَجِبُ أَنْ يَحُطَّ قَدْرًا يَقَعُ بِهِ الِاسْتِغْنَاءُ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَقِلَّتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَحُطُّ رُبْعَ الْمَالِ، رَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ كَاتَبَ